شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: الحساب الختامي اختبار لشرعيه الدوله

تابعت باهتمام أمس مناقشة مشروع الحساب الختامي في مجلس النواب وبان لي من كلمات بعض النواب حجم الاخفاق الذي تجاوز كل الحدود
فخبرة عشر سنوات داخل لجنة الخطة والموازنة في البرلمان المصري،
لم تكن مجرد مرور عابر على أرقام وجداول، بل كانت معايشة يومية للصلة العميقة بين النص الدستوري وحركة المال العام. كانت الموازنة تقرأ باعتبارها بيان نوايا السلطة، بينما ظل الحساب الختامي الوثيقة الوحيدة القادرة على فضح الفارق بين الوعد والتنفيذ ،بين الوهم والحقيقه.

النص الدستوري في دستور 2014 رسم هذا الطريق بوضوح لا يحتمل التأويل؛ إذ ألزم بعرض الموازنة قبل بدء السنة المالية بوقت كاف، وربط ذلك بوجوب تقديم الحساب الختامي خلال مدة محددة. تلك ليست مواعيد تنظيمية، بل حلقات متصلة في دورة واحدة، إذا انقطعت إحداها اختل البناء كله.

غياب هذا الترابط يفتح بابا واسعا لخلل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتسلل تدريجيا؛ تبدأ القصة بتقديرات لا تستند إلى مراجعة دقيقة، وتنتهي بموازنة تبنى على فرضيات أكثر مما تبنى على حقائق. هنا تفقد الأرقام معناها، ويتحول التخطيط إلى كتابة احتمالات لا إلى إدارة موارد.

قضاء المحكمة الدستورية العليا استقر على أن الإجراءات التي تحيط بإصدار القوانين ليست شكلا يستكمل لاحقا، بل ضمانة تسبق وجود القانون ذاته. كل خلل جوهري في هذه الإجراءات ينعكس مباشرة على شرعية النص، ويهدد بانتقاضه من أساسه.

الفقه الدستوري المصري، كما عبر عنه المستشار عوض المر، لم يفصل يوما بين إقرار الموازنة ومراجعة تنفيذها؛ فالمرحلتان وجهان لعملة واحدة، ولا تقوم رقابة برلمانية حقيقية إلا باكتمالهما معا.
و أي محاولة للفصل بينهما تفرغ الرقابة من مضمونها، وتترك المال العام بلا مساءلة.

الأثر العملي لهذا الخلل لا يحتاج إلى كثير من الجهد لاكتشافه؛ يكفي النظر إلى تضخم خدمة الدين، واتساع الفجوة بين الإيرادات المتوقعة والمتحققة، وتراجع الوزن الحقيقي للإنفاق الاجتماعي.
تلك ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل علامات على اختلال في آلية صنع القرار المالي.

الإدارة الرشيدة للمال العام لا تقوم على الحاضر وحده، بل على ذاكرة دقيقة تسجل ما جرى وتصحح ما يأتي. الحساب الختامي هو هذه الذاكرة، وإهماله يعني إدارة بلا مراجعة، وسياسات بلا تصحيح، وأخطاء تتكرر لأن أحدا لم يتوقف ليفحصها.

امتداد هذا الخلل يتجاوز حدود الداخل، ليطال صورة الدولة في أعين الأسواق والمؤسسات الدولية. الشفافية ليست رفاهية، بل شرط ثقة، وكل تراجع فيها يرفع كلفة الاقتراض، ويضيق هامش الحركة، ويضعف القدرة على إدارة الدين العام.

تجارب الدول التي نجحت في فرض انضباط مالي لم تبدأ بإجراءات معقدة، بل باحترام بسيط وصارم للنصوص الحاكمة. احترام القاعدة هو أول الطريق، وكل ما يأتي بعده يكتسب معناه من هذا الالتزام.

مره اخرى استعيد عبارة الأستاذ إيهاب الخولي “الساقط لا يعود” تختزل هذا المعنى بدقة لافتة؛ ما يفقد شرطه الجوهري لا يستعاد بإجراءات لاحقة، وما يهتز في بدايته يظل هشا مهما أضيف إليه.

إعادة الاعتبار لهذا المسار ليست ترفا قانونيا، بل ضرورة لإعادة التوازن إلى إدارة المال العام، وضمان أن تكون الموازنة أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، لا مجرد وثيقة تعلن أرقاما بلا سند، ولا تحمل من الحقيقة إلا ظلها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى