مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: مهنية التعليم في ميزان “كيس الفول”

لم يكن مجرد “كيس فول ورغيفي خبز” داخل درج طالبة في مدرسة إهناسيا الثانوية للبنات بمحافظة بني سويف، بل كان اختبارًا حقيقيًا لمهنية المسؤول التربوي وكفاءته الأخلاقية، وقدرته على قراءة الواقع الاقتصادي للطلاب قبل أن يتحول إلى مصدر إحراج لهم.

فالواقعة التي هزت الرأي العام المصري مؤخرًا، كشفت عن فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والممارسة على الأرض.

تعود التفاصيل إلى جولة تفقدية لوكيل الوزارة الدكتور محمود الفولي داخل المدرسة، حيث لاحظ وجود وجبة بسيطة في درج إحدى الطالبات.

ما كان يجب أن يكون لحظة إنسانية لتفهم ظروف الطالبة، تحول إلى موقف أحرجها أمام زميلاتها، بتعليقات وُصفت بأنها ساخرة.

والنتيجة طالبة تعود إلى منزلها في حالة نفسية سيئة وترفض الذهاب إلى المدرسة في اليوم التالي.

موقف الوكيل بعد انفجار الغضب الشعبي يمثل نموذجًا كلاسيكيًا لاستراتيجية “الاحتواء الإعلامي” بدلًا من “المحاسبة المؤسسية”.

فبدلًا من الاعتراف بالخطأ واتخاذ إجراءات تصحيحية فورية، خرج الوكيل ببيان رسمي ينفي فيه تمامًا أي تنمر أو إساءة، زاعمًا أن ما جرى كان في إطار “التوعية الصحية” و”سلامة الغذاء”.

هذا التبرير يطرح أسئلة أعمق كيف تحول “كيس فول” من وجبة متواضعة إلى تهديد للسلامة الغذائية بينما لا نرى حملات مماثلة على الوجبات السريعة المنتشرة في مقاصف المدارس الخاصة؟

أين كانت التوعية الصحية عندما تم إحراج الطالبة أمام زميلاتها، وهل من أصول التوعية كشف الحالة الاقتصادية للطالب على الملأ؟

الأخطر من ذلك هو كيف تحول الموقف سريعًا من “أزمة كرامة” إلى “مشهد مصالحة أبوية”، حيث التقى وكيل الوزارة الطالبة ووالدها في حوار وُصف بأنه “أبوي”، استمع فيه إلى طموحاتها في أن تصبح ضابطًا.

يبدو أن منطق “العشم” لا يزال يحكم العلاقة بين المسئوليين اصحاب القلوب المتحجر الفاسدة والمواطن نخطئ في حقك، ثم نمنحك “حوارًا أبويًا”، وننتظر منك الشكر على “الدعم المعنوي”.

ما لم يفهمه وكيل الوزارة، ومن خلفه العديد من القيادات التعليمية، هو أن كرامة الطالب لا تُستعاد بحوار أبوي أو لقاء عابر، بل بمؤسسات تحاسب المخطئ وتحمي الضعيف.

إن تكرار عبارة “كرامة الطالب خط أحمر” لا يعني شيئًا إذا لم يقترن بإجراءات رادعة تجعل من التجاوز في حق الطلاب خطيئة لا تغتفر في الوسط التربوي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى