مقالات وآراء

على درة يكتب: نظام الطيبات ووهم الصواب المطلق

في زمنٍ تتسارع فيه الأحكام، ويضيق فيه صدر الإنسان بالرأي المخالف، ظهرت أزمة حقيقية في طريقة تفكيرنا: وهم “الصواب المطلق”. هذا الوهم الذي يجعل البعض يرى نفسه حارس الحقيقة الوحيد، وما عداه باطل لا يُسمع ولا يُناقش.


المشكلة ليست في أن نؤمن برأي، بل في أن نُؤلّه هذا الرأي.


حين يتحول اجتهاد بشري إلى يقينٍ مقدّس، نكون قد خرجنا من دائرة التفكير إلى دائرة الجمود. فالحقيقة التي لا تحتمل النقاش ليست حقيقة بشرية… بل ادّعاء خطير. نحن بشر، نرى من زوايا محدودة، ونتأثر بتجاربنا، ونتحيز دون أن نشعر، فكيف نزعم امتلاك “الصورة الكاملة”؟
إن من أعظم صور النضج الفكري أن تدرك أن الشيء قد يكون نافعًا وضارًا في الوقت نفسه، وأن الفكرة قد تحمل في طياتها نورًا وظلًا. ليست الحياة أبيض خالصًا ولا أسود خالصًا… بل مساحات واسعة من الرمادي، تحتاج إلى عقلٍ يوازن، لا عقلٍ يُقصي.
ومن أوضح الأمثلة على هذه الأزمة ما نشهده في الجدل الدائر حول نظام “الطيبات” للدكتور ضياء العوضى – رحمه الله. فقد انقسم الناس حوله انقسامًا حادًا: فريق يراه منهجًا ناجحًا لا يقبل التشكيك، وفريق يرفضه جملةً وتفصيلًا وكأنه شرّ محض.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية… ليس في النظام نفسه، بل في طريقة تفكيرنا نحوه.
الدكتور ضياء – رحمه الله – عالمٌ مجتهد، قدّم ما وصل إليه من علم وخبرة، واجتهد ليعالج ويُفيد. ومن الطبيعي جدًا أن نجد من تحسّنت حالاتهم على هذا النظام، كما أنه من الطبيعي أيضًا أن نجد من لم يناسبهم أو حتى تضرروا منه. هذه ليست مفارقة… بل هذه هي طبيعة كل اجتهاد بشري.
لكن حين يتحول النقاش من تقييمٍ موضوعي إلى معركة “حق مطلق” و“باطل مطلق”، نكون قد فقدنا البوصلة.
فالإنصاف يقتضي أن نقول: نعم، هناك إيجابيات يستفيد منها البعض، ونعم، هناك سلبيات تستدعي الحذر، والعاقل ليس من يرفض أو يقبل بشكل أعمى، بل من يُحسن الاختيار وفق ما يناسبه ويطمئن إليه.
إن تحويل أي تجربة بشرية إلى “حقيقة مطلقة” هو ظلم لها قبل أن يكون ظلمًا للناس… لأنه يحمّلها ما لا تحتمل، ويُغلق باب المراجعة والتطوير.
المأساة الحقيقية ليست في وجود آراء مختلفة، بل في عجزنا عن التعايش معها. أن نُصنّف الناس إلى “معنا” أو “ضدنا”، إلى “على حق مطلق” أو “على باطل مطلق”… هذا اختزال مخلّ، وظلم للحقيقة قبل أن يكون ظلمًا للناس.
الحكمة ليست أن تأخذ كل شيء، ولا أن ترفض كل شيء… بل أن تملك ميزانًا داخليًا واعيًا:
تأخذ ما ينفعك، وتترك ما يضرك،
تتعلّم مما يفيدك، وتتجاوز ما لا يناسبك،
تُحسن الظن بالاجتهاد، دون أن تُسلّم له تسليمًا أعمى.
إن الاعتراف بنسبية الأمور لا يعني الضياع، بل يعني التحرر…
تحرر من التعصب، من الغرور الفكري، من وهم الكمال.
فالكمال لله وحده، وما دون ذلك محاولات بشرية… جميلة أحيانًا، ناقصة دائمًا.
فلنُربِّ أنفسنا على الاتزان:
نُحاور بدل أن نُهاجم،
نَفهم بدل أن نُدين،
نزن بدل أن نُطلق الأحكام.
حينها فقط، نقترب من الحقيقة… دون أن ندّعي امتلاكها

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى