
في ميزان الحسابات الاستراتيجية الخالصة، تميل مصلحة الولايات المتحدة — إذا ما جرى فصلها عن اعتبارات إسرائيل أو الحسابات الشخصية للرئيس دونالد ترامب — إلى تجنّب الانخراط في مواجهة عسكرية جديدة مع إيران. فالتجارب الحديثة تُظهر أن أي صدام مباشر لن يكون محدود الكلفة، بل مرشح للتحول إلى استنزاف مركّب عسكريًا واقتصاديًا، مع احتمالات تمدده إقليميًا ليشمل الخليج والعراق، ويهدد شرايين الطاقة العالمية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
انطلاقًا من ذلك، تبدو التسوية السياسية خيارًا أكثر اتساقًا مع المصالح الأمريكية: اتفاق يقيّد البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات، بما يدعم استقرار أسواق الطاقة، ويخفف الضغوط عن الاقتصاد العالمي، ويمنح واشنطن هامشًا لإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في ساحات أخرى. هذا الطرح لا يبتعد كثيرًا عن فلسفة اتفاق 2015 الذي أُبرم في عهد باراك أوباما، والذي تعود بعض ملامحه اليوم في النقاشات والتسريبات المتداولة.
في المقابل، تمتلك إيران دوافع قوية للقبول بتسوية من هذا النوع، ولكن ضمن شروط تحفظ نفوذها الإقليمي. فهي تواجه ضغوطًا اقتصادية قاسية بفعل العقوبات، وتحتاج إلى متنفس يعيد تنشيط صادراتها النفطية والتجارية، دون أن تضطر إلى تقديم تنازلات جوهرية تمس موقعها في الإقليم — سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن. من هذا المنظور، لا يُختزل أي اتفاق بالنسبة لطهران في الملف النووي فحسب، بل يُنظر إليه كجزء من توازن أوسع يشمل أمن النظام ودورها كقوة إقليمية.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بمسار القرار الأمريكي. فالسياسة في واشنطن لا تُدار فقط بمنطق “العقل الاستراتيجي”، بل تتقاطع فيها اعتبارات داخلية (انتخابات، كونغرس، لوبيات ضغط)، إلى جانب ضغوط الحلفاء، خصوصًا إسرائيل التي ترى في أي اتفاق لا يُنهي القدرات النووية الإيرانية بالكامل تهديدًا مباشرًا. كما يبقى احتمال أن تكون التحركات الحالية مجرد تكتيك مرحلي قائمًا، سواء لتحسين شروط التفاوض، أو لكسب الوقت استعدادًا لعمل عسكري يُتصور — ربما بشكل مفرط في التفاؤل — أنه سيكون حاسمًا.
هذا التذبذب بين منطق التسوية ومنطق التصعيد يعيد إلى الأذهان سابقة تاريخية مهمة هي أزمة السويس 1956، حين قدّر جمال عبد الناصر أن بريطانيا لن تقدم على عمل عسكري، ليس لأنه مستحيل، بل لأنه غير عقلاني في ضوء توازنات القوى الدولية. غير أن هذا التقدير لم يمنع لندن — بقيادة أنطوني إيدن — من خوض المغامرة العسكرية. ومع ذلك، انتهت الأزمة بنتائج عكسية على بريطانيا، إذ تراجعت مكانتها الدولية، بينما خرجت مصر أكثر قوة وتأثيرًا.
الخلاصة أن منطق المصالح الاستراتيجية يدفع باتجاه ترجيح خيار التسوية بين الولايات المتحدة وإيران، كمسار يحقق حدًا أدنى من المكاسب للطرفين، ويجنب المنطقة والعالم كلفة صراع واسع. لكن دروس التاريخ والسياسة تُظهر أن القرارات الكبرى لا تُصاغ دائمًا وفق هذا المنطق، بل قد تنحرف تحت ضغط الحسابات الداخلية، أو رهانات القوة، أو سوء تقدير الخصم.
لذلك، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالين متوازيين: تسوية تعيد ضبط التوازنات… أو تصعيد يعيد اختبار حدود القوة من جديد.







