ذاكرة التاريخملفات وتقارير

محمود غالب باشا.. “قاضي الوزراء” ورمز النزاهة في ذاكرة التاريخ المصري

إن الذاكرة المصرية لا تغفل أسماء رجالها المخلصين الذين أرسوا دعائم دولة القانون، نستحضر من ذاكرة التاريخ سيرة رجل من طراز فريد؛ هو المستشار محمود غالب باشا (1881 – 1954).

يمثل غالب باشا نموذجاً للمسؤول الذي لم تنل السياسة من هيبة قضائه، ولم يغره بريق السلطة عن التمسك بروح القانون، فاستحق أن يُخلد اسمه في وجدان الوطن كواحد من أنزه من جلسوا على منصة القضاء وتولوا حقائب الوزارة في العصر الملكي.

من دمياط إلى سلك “الحقانية”.. رحلة بناء الشخصية القانونية

وُلد محمود غالب في مدينة دمياط العريقة عام 1881، ونشأ في بيئة تقدر العلم والعمل. اتجه لدراسة القانون في مدرسة الحقوق (جامعة القاهرة لاحقاً)، والتي كانت بمثابة المصنع الذي أخرج قادة الفكر والسياسة في مصر. بدأ مسيرته العملية في سلك القضاء، وتدرج فيه بفضل كفاءته وعدله حتى اعتلى منصب رئيس محكمة الاستئناف، وهو المنصب الذي صقل شخصيته بالانضباط والوقار قبل أن تجذبه آفاق العمل السياسي والوطني.

الوزير “الوفدي” القوي.. ثبات المبدأ تحت قبة الحكومة

انضم محمود غالب باشا إلى صفوف حزب الوفد، وكان أحد العقول القانونية والدستورية الراجحة داخل الحزب. وبفضل هذه المكانة، اختاره زعيم الوفد مصطفى النحاس باشا لتولي عدة حقائب وزارية محورية في حكوماته، ومنها، وزارة العدل (الحقانية) حيث كان حارساً أميناً على استقلال القضاء، ومطوراً للنظم القانونية بما يضمن العدالة للجميع.

ووزارة الأشغال العمومية، وفيها أشرف على مشروعات الري الكبرى التي كانت تمثل شريان الحياة للاقتصاد المصري الزراعي آنذاك، وزارة المواصلات، التي شهدت في عهده اهتماماً خاصاً بتطوير مرافق النقل والسكك الحديدية.

مواقف خالدة: حربٌ على المحسوبية ودورٌ في الاستقلال

عُرف عن محمود غالب باشا في الأوساط السياسية بلقب “الرجل الحديدي” في نزاهته؛ فقد كان يغلق أبواب مكتبه تماماً أمام الوساطة والمحسوبية، مؤمناً بأن الكفاءة هي المعيار الوحيد للخدمة العامة. كما كان له حضور فاعل في الجولات التفاوضية مع الاحتلال البريطاني، حيث كان يمثل “الترمومتر القانوني” للوفد، حريصاً على أن تصاغ حقوق مصر في نصوص دستورية وقانونية لا تقبل التأويل.

رحيل الهامة الشامخة وبقاء الأثر

رحل محمود غالب باشا عن عالمنا في عام 1954، بعد أن عاصر تحولات كبرى في تاريخ مصر من الملكية إلى الجمهورية، تاركاً خلفه سيرة عطرة لم تلوثها الصراعات الحزبية. وتقديراً لتاريخه الوطني، خلدت الدولة اسمه بإطلاقه على أحد الشوارع الهامة في حي الدقي بالجيزة، ليظل اسمه محفوراً في ذاكرة المارة كما هو محفور في سجلات الشرف المصرية كرجل جمع بين “ميزان العدل” و”أمانة المسؤولية”.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى