
في قلب المشهد الإقليمي، تبدو الحرب الجارية أقرب إلى لعبة توازنات دقيقة منها إلى مواجهة مفتوحة نحو الحسم. فالمسار العسكري لا ينفصل عن الحسابات السياسية، والاشتباك الميداني لا يُفهم إلا ضمن شبكة مصالح دولية متداخلة، تجعل من كل خطوة محسوبة، وكل تراجع مدروساً بقدر التصعيد.
في هذا السياق، شكّل مضيق هرمز نقطة اختبار حساسة لمحاولات خلط الأوراق. إلا أن تعقيدات هذا الممر الاستراتيجي، بوصفه شريان الطاقة العالمي، فرضت حدوداً واضحة لأي مغامرة، ما أدى إلى كبح اندفاعة التصعيد قبل أن تتحول إلى مواجهة واسعة. فالتوازن هنا لا تحكمه الإرادة السياسية فقط، بل شبكة ردع دولية تفرض سقوفاً صارمة.
بالتوازي، برزت مؤشرات على استهداف مسارات الطاقة البديلة، ولا سيما تلك المرتبطة بـ الإمارات العربية المتحدة، في محاولة واضحة لكسر أي التفاف على معادلة الضغط المرتبطة بهرمز. هذه الرسائل، وإن بدت عسكرية في ظاهرها، تحمل في جوهرها أبعاداً استراتيجية تتصل بإعادة ضبط قواعد الاشتباك.
إعادة ضبط قواعد الاشتباك
في خلفية هذا المشهد، تلوح الصين كمرشح للدخول على خط الوساطة. وهذا التطور، في حال ترسّخ، لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات في موازين القوى الدولية، حيث تتحول الوساطة إلى أداة نفوذ، لا مجرد دور تقني لحل النزاعات. فحضور بكين في هذا الملف يوازي، في دلالاته، إعادة توزيع للأدوار في النظام الإقليمي.
على الضفة الأميركية، يقف دونالد ترامب أمام معادلة معقدة: بين رغبته في إنهاء حرب مكلفة سياسياً، وحاجته إلى تحقيق إنجاز يبرر الأكلاف السابقة. هذا التناقض يفسر حالة التذبذب بين التصعيد والتهدئة، ويجعل من القرار الأميركي محكوماً بمنطق “الربح الممكن” لا “النصر الكامل”.
في المقابل، تدفع إسرائيل، ومعها داعموها، نحو سقف مرتفع يتمثل في فرض استسلام إيراني. غير أن هذا الخيار، وفق المعطيات الحالية، بات خارج المعادلة الواقعية، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر براغماتية تقوم على الاحتواء والتقييد بدل الإخضاع.
لبنان عند تقاطع المسارات
لبنان، كعادته، يقف عند تقاطع هذه المسارات. هنا يتبلور مشهد مزدوج: مسار أول يقوم على استنزاف الجيش الإسرائيلي ورفع كلفة المواجهة، بالتوازي مع التعويل على الضغط الإيراني؛ ومسار ثانٍ يتخذ من الدبلوماسية أداة لبلورة تسويات محتملة. إلا أن العلاقة بين المسارين ليست تناقضية، بل تكاملية: فالميدان يرسم حدود القوة، والدبلوماسية تحصد نتائجها.
وعند بلوغ ذروة الضغط في المسار الأول، يصبح الباب مهيأً أمام طرح اتفاق أمني في المسار الثاني، غالباً برعاية أميركية. هذه الجدلية تعكس قاعدة ثابتة في إدارة الصراعات: المفاوض لا ينتزع إلا ما تثبته الوقائع على الأرض.
غير أن ما يغيب أحياناً عن التحليل، هو دور السقف الدولي الذي يحكم هذه العملية برمتها. فالتسويات الكبرى لا تُصاغ في عاصمة واحدة، بل هي نتاج تقاطع مصالح بين قوى دولية، ما يجعل أي اتفاق محتمل جزءاً من إعادة ترتيب أوسع في النظام الإقليمي.
مرحلة إدارة الصراع
الخلاصة أن المنطقة تدخل مرحلة “إدارة الصراع” لا حسمه. لا حرب شاملة تلوح في الأفق القريب، ولا تسوية نهائية تضع حداً للاشتباك. بل مسار طويل من الضغوط المتبادلة، والتفاهمات الجزئية، التي تُبقي الجميع داخل معادلة مفتوحة… حيث لا غالب ولا مغلوب، بل توازن هشّ يُعاد إنتاجه عند كل مفصل.







