
يأتي السابع من مايو كل عام، فلا يمرّ على الوجدان العربي كرقمٍ عابر في رزنامة السياسة، بل كذكرى لرجلٍ خرج من قلب الصحراء يحمل روحًا أوسع من الرمل، وقلبًا أكبر من حدود الدولة، وعينين كانتا تريان الأمة بيتًا واحدًا لا جزرًا متنافرة تتنازعها الرياح.
الشيخ زايد لم يكن مجرد مؤسس لدولة حديثة، بل كان أحد آخر الرجال الذين فهموا أن القوة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأبراج، ولا بحجم الصناديق السيادية، بل بمقدار الطمأنينة التي يزرعها الحاكم في قلوب أشقائه قبل شعبه.
طفل العين الذي تربّى على قسوة الصحراء، وحفظ القرآن على يد “المطوّع”، تعلم مبكرًا أن الحكمة ليست ضعفًا، وأن المال الذي لا تحرسه الأخلاق يتحول إلى لعنة على أصحابه.
ولهذا، حين امتلك النفط، لم يتعامل معه كخزان ثروة فقط، بل كسلاح كرامة، وكجسر نجدة، وكوسيلة لحماية العرب لا لابتزازهم أو تقسيمهم.
“النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي”…
لم تكن تلك العبارة مجرد جملة قالها الرجل في لحظة حماس عابرة خلال حرب أكتوبر، بل كانت تلخيصًا كاملًا لفلسفة الشيخ زايد في الحكم والسياسة والعروبة.
ولهذا بقي اسمه محفورًا في الذاكرة المصرية والسورية والسودانية والخليجية، كواحدٍ من الرجال الذين انحازوا للأمة يوم كان الانحياز مكلفًا، ويحتاج إلى شجاعة المؤمن لا حسابات التاجر.
المصريون لا ينسون الشيخ زايد.
ولا ينسون ما قدمته الإمارات في عهده لمصر، يوم كانت القاهرة تحتاج إلى سندٍ عربي صادق لا إلى فواتير سياسية مؤجلة الدفع.
والوفاء يقتضي الاعتراف بذلك، لأن الأمم التي تفقد ذاكرتها الأخلاقية تفقد جزءًا من شرفها قبل تاريخها.
لكن أكثر ما يوجع في ذكرى الرجل، أن كثيرًا مما بناه بحكمته صار اليوم فوق حافة قلقٍ عربي واسع.
فأبو ظبي التي أرادها الشيخ زايد بيتًا للعرب، لا غرفة عمليات لإدارة الانقسامات، باتت حاضرة في معظم خرائط التوتر الإقليمي، وكأن البوصلة التي كانت تشير يومًا إلى الأمة، بدأت تشير إلى النفوذ وحده.
أوبك لم تكن مجرد منظمة نفطية غادرتها أبو ظبي في لحظة اختلاف اقتصادي.
الخروج من أوبك وأوبك بلس بدا أقرب إلى رسالة سياسية ثقيلة، تحمل في داخلها رغبة واضحة في التحرر من مركزية القرار النفطي الخليجي الذي قادته السعودية لعقود طويلة.
فالنفط في الخليج ليس سلعة فقط، بل لغة سيادة، ومفتاح قيادة، ومقياس وزن سياسي داخل الإقليم وخارجه.
ثم جاءت الإشارات المتتالية المتعلقة بمراجعة العلاقة مع جامعة الدول العربية والخليج لتفتح بابًا أوسع للأسئلة.
فحين تبدأ دولة عربية محورية في التعامل مع مؤسسات العمل العربي المشترك باعتبارها عبئًا أو قيدًا أو إطارًا لم يعد يحقق مصالحها، فإن الأزمة لا تكون أزمة مؤسسة، بل أزمة فكرة الانتماء نفسها.
السعودية
تبدو الجرح الأكثر حساسية في هذه المعادلة.
فالتحالف الذي بدا لسنوات كأنه تحالف استراتيجي صلب، راحت تتسلل إليه تشققات النفط، واليمن، والبحر الأحمر، والموانئ، والقرن الإفريقي، وملفات القيادة الخليجية.
الرياض تنظر بقلق إلى تمدد النفوذ الإماراتي في الموانئ والممرات البحرية، بينما ترى أبو ظبي أن زمن التبعية السياسية داخل الخليج قد انتهى، وأن لها الحق في صناعة مجالها الحيوي الخاص.
حادثة ميناء المكلا لم تكن حادثة عسكرية عابرة، بل لحظة انكشاف سياسي.
ضربة سعودية لشحنة أسلحة قيل إنها مرتبطة بقوات مدعومة إماراتيًا، ثم إعلان سحب قوات أبو ظبي من اليمن، كشفا أن الخلاف لم يعد تكتيكيًا، بل أصبح صراع رؤى حول شكل المنطقة نفسها، ومن يملك مفاتيح البحر الأحمر وباب المندب والقرن الإفريقي.
وحين تنتقل الخلافات الخليجية من الغرف المغلقة إلى التسريبات والإعلام والرسائل غير المباشرة، فإن ذلك يعني أن الجدران القديمة التي كانت تحمي البيت الخليجي بدأت تتآكل بهدوء.
مصر
تمثل الوجه الأكثر حساسية وتعقيدًا في هذه المعادلة.
فالعلاقة الاقتصادية مع أبو ظبي لم تعد مجرد استثمارات عربية مرحب بها، بل تحولت إلى حضور متغلغل في قطاعات شديدة الحساسية: الموانئ، والسواحل، والعقار، والمناطق اللوجستية، والامتيازات طويلة الأمد.
صفقة رأس الحكمة لم تكن مجرد صفقة مالية ضخمة، بل لحظة كشفت حجم التحول في طبيعة العلاقة بين المال والسيادة في زمن الأزمات الاقتصادية الخانقة.
المخاوف في مصر لا تتعلق برفض الاستثمار العربي، فمصر كانت وستظل مفتوحة لأشقائها، لكن القلق الحقيقي يبدأ حين تتحول لحظة الضعف الاقتصادي إلى فرصة لإعادة تشكيل القرار الاقتصادي والسيادي عبر السيطرة على مفاصل استراتيجية طويلة المدى.
امتيازات الموانئ والمناطق اللوجستية في قناة السويس، والحضور المتزايد في قطاعات العقار والطاقة والسياحة، جعلت قطاعات واسعة من المصريين تتساءل: أين ينتهي الاستثمار؟ وأين يبدأ النفوذ؟
ليبيا
كانت مختبرًا مبكرًا لهذا النهج.
هناك لم يكن الدعم المقدم لـ خليفة حفتر مجرد انحياز لطرف سياسي، بل رهانًا على فكرة الجنرال القادر على حكم بلدٍ ممزق بقوة السلاح.
ولذلك بقيت أبو ظبي في الوعي الليبي مرتبطة بمشروع إعادة إنتاج الحكم العسكري، ولو على حساب الدولة المدنية ووحدة المجتمع الليبي ومستقبل الديمقراطية فيه.
سوريا
كشفت بدورها وجهًا آخر للمسألة.
إعادة فتح السفارة في دمشق، والدفع المبكر نحو إعادة تأهيل بشار الأسد عربيًا، لم يُقرأ عربيًا باعتباره محاولة احتواء سياسية فقط، بل بوصفه رهانًا على إعادة تدوير الاستبداد باعتباره الطريق الأقصر إلى “الاستقرار”، حتى لو دفعت الشعوب الثمن من دمها وأوطانها وأعمارها.
الجزائر
تنظر بريبة واضحة إلى هذا التمدد، خاصة بعد تقاطع أبو ظبي مع الرباط في ملفات شديدة الحساسية تتصل بـ الصحراء الغربية والتطبيع والتحالفات الأمنية الجديدة في شمال إفريقيا والساحل.
ولهذا لم تعد العلاقة الجزائرية الإماراتية علاقة دفء عربي تقليدي، بل صارت محكومة بحذر ثقيل وأسئلة لا تُقال كاملة في العلن.
لكن الجرح الأكثر إيلامًا يبقى هو السودان.
فهناك لا يبدو المشهد مجرد خلاف سياسي، بل مأساة إنسانية كاملة.
بلدٌ يتشظى، ومدن تُحرق، وأطفال ينامون على حدود الجوع والخوف، بينما تتداخل فوق الأرض السودانية الطائرات المسيّرة والذهب والموانئ والمرتزقة وصراعات النفوذ الإقليمي.
السودانيون لم يكونوا غرباء عن الخليج يومًا.
كانوا معلمين وأطباء وقضاة ومهندسين وإداريين ساهموا في بناء مؤسسات الدولة الحديثة في الخليج، وفي مقدمتها الإمارات نفسها.
ولذلك يبدو المشهد السوداني اليوم موجعًا مرتين: مرة لأن السودان ينزف، ومرة لأن بعض أصابع الاتهام تتجه نحو دولة كان السودانيون جزءًا من ذاكرتها المهنية والإنسانية.
اتهامات الخرطوم لأبو ظبي بدعم قوات الدعم السريع، والحديث عن طائرات مسيرة ومسارات إمداد ودعم لوجستي، ليست تفاصيل صغيرة في نزاع داخلي، بل مؤشرات على انتقال الحرب السودانية إلى مربع الصراع الإقليمي المفتوح، بما يهدد أمن البحر الأحمر والنيل والقرن الإفريقي معًا.
قطر
ما زالت تحمل ذاكرة حصار لم يلتئم بالكامل.
حصار 2017 لم يكن مجرد خلاف سياسي خليجي، بل محاولة لعزل دولة عضو داخل مجلس التعاون، وفرض وصاية على قرارها السيادي.
وكان الحضور الإماراتي في ذلك الملف الأكثر حدة، حتى بدا الأمر وكأنه محاولة لإعادة هندسة الخليج بمنطق الغلبة لا الشراكة.
الأخطر أن الانقسام لم يبقَ ثنائيًا، بل جرى توسيعه عبر جذب دول خليجية أصغر إلى اصطفافات حادة، في محاولة لصناعة خليج متعدد المراكز، متنازع القيادة، فاقد للمرجعية الموحدة التي حافظت لعقود على الحد الأدنى من توازن البيت الخليجي.
اليمن
ظل شاهدًا إضافيًا على هذا المسار.
دعم الكيانات الانفصالية الجنوبية، والحضور المكثف في سقطرى وميون وعبد الكوري وباب المندب، نقل الحرب من مواجهة الحوثيين إلى صراع أوسع حول من يرسم مستقبل اليمن، ومن يملك مفاتيح الممرات البحرية الأخطر في المنطقة.
الصومال،
فقد تحول إلى مرآة جديدة لهذا الاشتباك الإقليمي.
الحضور الإماراتي في بربرة وأرض الصومال، وتقاطع المصالح هناك مع حسابات إسرائيلية وإثيوبية، وضع أبو ظبي في مسار متعارض مع توجهات مصر والسعودية وتركيا ومعظم الدول المتمسكة بوحدة الدولة الصومالية وسيادتها.
ولم تعد المسألة مجرد استثمارات في موانئ، بل جزءًا من مشروع أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ البحري في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الإفريقي.
حتى داخل الإمارات نفسها، بدأت الأسئلة تتسلل بهدوء.
تغريدة الشيخ محمد بن راشد الأخيرة، وما أثارته من تأويلات وتساؤلات، ثم الأحاديث المتزايدة عن اختلافات داخل بعض مكونات الاتحاد، ليست أمورًا ينبغي التعامل معها بخفة أو شماتة.
فنحن لا نريد للإمارات إلا الوحدة والاستقرار، لأن أي تصدع خليجي لا يبقى داخل حدوده، بل يمتد أثره إلى الجسد العربي كله.
لسنا ممن يشعلون الحرائق، ولا ممن يتدخلون في الشؤون الداخلية للدول كما يحدث معنا في أكثر من ساحة عربية.
لكن الوفاء للشيخ زايد نفسه يفرض علينا أن نقول إن السفينة التي بناها الرجل بالحكمة والهدوء لا يجوز أن تُقاد اليوم بمنطق المغامرة والغلبة وإدارة المنطقة عبر الوكلاء والمال والموانئ.
الوحدة التي صنعها زايد لم تقم على الخوف، بل على الثقة.
ولم تُبنَ على شراء الولاءات، بل على احترام الأشقاء، والإيمان بأن الخليج بيت واحد، وأن العرب لا يحتملون مزيدًا من الشروخ.
ولهذا تبدو الحكمة القديمة أكثر حضورًا اليوم:
«قل لي من بات معك…أقُل لك من أنت»
فالتحالفات لا تغيّر خرائط السياسة فقط، بل تعيد تشكيل الأرواح والوجوه والذاكرة أيضًا.
رسالتنا ليست عداءً للإمارات، ولا إساءة لشعبها الكريم الذي نحمله بكل محبة وتقدير، بل محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، واستعادة تموضع الإمارات في قلب محيطها الخليجي والعربي، من زاوية التواصل لا التقاطع، ومنطق الأخوة لا إدارة النفوذ.
العودة إلى روح الشيخ زايد ليست تراجعًا عن القوة، بل عودة إلى معناها الحقيقي.
فالقوة التي لا يطمئن إليها الأشقاء تتحول مع الوقت إلى عبء، أما القوة التي تحرسها الحكمة والمحبة، فتبقى أطول من العمر نفسه.
رحم الله الشيخ زايد…
الرجل الذي فهم مبكرًا أن الأمة لا يحميها النفط وحده، بل يحميها العقل، والعدل، ودفء القلوب.





