
لماذا يدفع المواطن فاتورة نظامٍ وُجد أصلًا
لخدمته؟
في كل أزمة كبرى، يعود السؤال القديم في ثوب جديد: لمن يعمل النظام الاقتصادي؟ هل يعمل لصالح الإنسان الذي قامت الدولة لحماية حياته وكرامته وفرصه، أم لصالح الموازنة بوصفها كيانًا قائمًا بذاته؟ وهل المواطن هو صاحب الأرض والثروة والمال العام، أم مجرد “مستهلك ضريبي” يُستدعى وقت الحاجة لسداد فاتورة الخلل؟
ليست المشكلة في الضرائب بذاتها، ولا في فكرة الموازنة العامة، ولا في ضرورة أن تمتلك الدولة أدوات تمويلية مستقرة. فالدولة الحديثة لا تُدار بالشعارات، والخدمات العامة تحتاج إلى موارد. لكن الإشكال يبدأ حين تُقلب العلاقة:
بدل أن تكون الموازنة أداة لخدمة المواطن، يصبح المواطن أداة لإنقاذ الموازنة.
وبدل أن تكون السلطة وكيلة عن المجتمع في إدارة ثروته، تتصرف أحيانًا كأنها دائن
أعلى، وعلى الناس أن يدفعوا لها ثمن الأزمة، ولو كانت الأزمة من صنع سياسات خاطئة،
أو فساد مزمن، أو إدارة ضعيفة، أو نظام عالمي شديد الانحياز.
الأصل في العقد الاجتماعي أن المواطن ليس زبونًا عابرًا في متجر الحكومة. هو صاحب المصلحة الأصيلة، وصاحب الحق في الأمن الاقتصادي، وصاحب النصيب
المشروع من الثروة العامة. والسلطة، في جوهرها، ليست مالكًا للبلاد، بل مدير مؤتمن على شؤون الحاضر والمستقبل. لذلك يصبح السؤال في أوقات الأزمات أكثر حدة: لماذا يُطلب من المواطن أن يتحمل ارتفاع الأسعار، وتراجع الدخل الحقيقي، وزيادة الرسوم
والضرائب، بينما لا يُطلب من النظام نفسه أن يراجع أولوياته؟
الأزمات تكشف طبيعة الانحياز. ففي لحظات التضخم، والركود، وارتفاع
الدين، واختلال سلاسل الإمداد، تتضح الفلسفة الحاكمة: هل تبدأ الدولة من حماية
الإنسان، أم من حماية الأرقام؟ وهل ترى الأسر الضعيفة والمتوسطة بوصفها أساس
الاستقرار، أم بوصفها مصدرًا سريعًا للتحصيل؟ تشير دراسات صندوق النقد الدولي حول
أزمة تكلفة المعيشة إلى أن ارتفاع الأسعار لا يضرب الجميع بالتساوي؛ فالأسر منخفضة
الدخل غالبًا تفقد نسبة أكبر من قوتها الشرائية، وأن الدعم الموجه بدقة للفئات
المتضررة يكون أكثر فعالية من الإجراءات العامة غير المصممة على أساس احتياج حقيقي.
وهنا يظهر وجه من وجوه الخلل: كثير من الحكومات لا تفكر وقت الأزمة
بمنطق “كيف نخفف العبء عن الناس؟”، بل بمنطق “كيف نحافظ على توازن
الموازنة؟”. وقد يكون ضبط المالية العامة مطلوبًا، لكن حين يتحول إلى غاية
فوق الإنسان، يصبح الاقتصاد علمًا بلا مجتمع، والموازنة دفتر حسابات بلا ضمير.
فالأسئلة التي ينبغي أن تسبق أي قرار ضريبي أو تقشفي هي: من سيدفع؟ من سيتضرر؟ من
يستطيع الاحتمال؟ ومن لا يستطيع؟ وما أثر القرار على الثقة والإنتاجية والاستقرار
الاجتماعي؟
النظام الاقتصادي العالمي نفسه ليس بريئًا من هذا الانحياز. فهو يضع
الدول، خصوصًا النامية والمدينة، داخل شبكة ضغط مركبة: ديون، فوائد، شروط تمويل،
أسواق مضطربة، عملات ضعيفة، وتنافس غير متكافئ. وفي كثير من الحالات، تصبح
الحكومات واقعة بين مطالب الدائنين ومطالب المواطنين. لكنها غالبًا تختار الطريق
الأسهل سياسيًا وإداريًا: تحميل المواطن كلفة الأزمة عبر الضرائب غير المباشرة،
ورفع الرسوم، وتقليص الدعم، وترك الأسعار تؤدب الناس باسم “واقعية السوق”.
هذا لا يعني أن الدعم المفتوح دائمًا صحيح، أو أن خفض الضرائب دائمًا
ممكن، أو أن الدولة يجب أن تنفق بلا ضوابط. النقد هنا ليس دعوة إلى شعبوية مالية،
بل إلى عدالة في ترتيب الأولويات. فهناك فرق كبير بين إصلاح مالي يوزع
العبء بعدالة، وبين إجراءات تجعل الفقير والطبقة الوسطى خط الدفاع الأول عن أخطاء
النظام. وهناك فرق بين دولة تطلب مساهمة عادلة من المجتمع كله، ودولة تبدأ دائمًا
بمن لا يملك أدوات الضغط ولا شبكات النفوذ.
الانحياز لا يكون للمواطن غالبًا لعدة أسباب. أولها أن المواطن
العادي ضعيف التمثيل مقارنة بجماعات المصالح المنظمة: كبار الممولين، الدائنين،
الاحتكارات، شبكات التوريد، والمجموعات القادرة على الضغط السياسي والإعلامي
والقانوني. ثانيها أن صانع القرار يفضل الحلول السريعة القابلة للقياس: زيادة
ضريبة، رفع رسم، تقليص بند إنفاق. أما إصلاح الفساد، وإعادة ترتيب الإنفاق العام،
ومراجعة الامتيازات، وكسر الاحتكارات، وتحسين كفاءة الحكومة، فهي أعمال أصعب وأبطأ
وأكثر إزعاجًا للمتنفذين. وثالثها أن الخطاب الاقتصادي السائد كثيرًا ما يختزل
الإنسان في مؤشر: مستهلك، ممول، دافع ضريبة، مستفيد من دعم. وحين يُختزل الإنسان
في رقم، يسهل تمرير السياسات القاسية بوصفها ضرورة فنية لا اختيارًا سياسيًا.
وتظهر خطورة هذا المسار في الثقة العامة. فالثقة في المؤسسات ليست
رفاهية معنوية، بل أصل من أصول الاستقرار والحكم الرشيد. تشير بيانات منظمة
التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الثقة في الحكومات الوطنية داخل دول المنظمة
ليست مرتفعة؛ إذ أظهر تقرير 2025 أن نحو 39% فقط عبّروا عن ثقة عالية أو متوسطة
عالية في حكوماتهم الوطنية، مقابل 44% لديهم ثقة منخفضة أو معدومة. وهذا يوضح أن
أزمة الثقة ليست مشكلة دول فقيرة فقط، بل هي ظاهرة أوسع ترتبط بإحساس الناس بعدالة
القرار وشفافية السلطة وقدرتها على الوفاء بالعقد الاجتماعي.
ولا تُبنى الثقة بالمواعظ، بل بالإنصاف. المواطن يتفهم الأزمة إذا رأى عدالة في توزيع الكلفة. يتقبل التقشف إذا بدأ من الامتيازات غير المستحقة، ومن الإنفاق غير المنتج، ومن الفساد، ومن الهدر، لا من الخبز والكهرباء والدواءوالتعليم. ويتعاون مع الدولة إذا شعر أن الدولة لا تتعامل معه كخزان تمويل، بل كشريك ومالك أصيل في المصير العام. وقد ربطت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بين الثقة والسياسات العامة وبين مفاهيم مثل الانفتاح والعدالة وتجديد العقد الاجتماعي، حيث لا يقتصر دور المواطنين على دفع الضرائب والامتثال، بل يمتد إلى المشاركة والثقة في تصميم السياسات وتنفيذها.
إن السؤال الجوهري ليس: هل لدى الدولة عجز في الموازنة؟ بل: لماذا نشأ العجز؟ ومن استفاد من سنوات الوفرة؟ ومن يدفع في سنوات الأزمة؟ وليس
السؤال: هل يجب إصلاح الدعم؟ بل: هل يُصلَح الدعم لحماية المستحقين أم لإرضاء أرقام مالية مجردة؟ وليس السؤال: هل السوق مهم؟ بل: هل السوق وسيلة لخدمة المجتمع أم صار المجتمع وقودًا للسوق؟
تكشف تقارير التنمية والفقر أن العالم يعيش ما يشبه “تعدد
الأزمات”: صدمات اقتصادية، ديون، مناخ، نزاعات، وتفاوتات متصاعدة. وقد أشار
البنك الدولي إلى أن التقدم العالمي في خفض الفقر المدقع توقف تقريبًا بعد سلسلة
الصدمات العالمية، كما يربط تقرير الفقر والازدهار والكوكب 2024 بين مكافحة الفقر
وتعزيز الازدهار المشترك ضمن بيئة عالمية مضطربة متعددة الأزمات. لذلك لا يمكن نقد
السياسات الوطنية بمعزل عن بنية عالمية تجعل الأضعف يدفعون الثمن مرتين: مرة بسبب
هشاشة الداخل، ومرة بسبب قسوة النظام الدولي.
لكن الاعتراف بضغوط النظام العالمي لا يعفي الحكومات من المسؤولية.
فهناك دول تواجه الأزمات بمنطق الحماية الاجتماعية الذكية، ودول تواجهها بمنطق
الجباية. هناك من يراجع أولويات الإنفاق، ويعزز شبكات الأمان، ويكافح الاحتكار،
ويؤجل غير الضروري من المشاريع، ويستهدف الدعم بدقة. وهناك من يترك المواطن يواجه
السوق وحده، ثم يطالبه فوق ذلك بسداد فاتورة الدولة.
الأزمة الحقيقية إذًا ليست اقتصادية فقط، بل أخلاقية وسياسية
واجتماعية. إنها أزمة في تعريف الدولة لوظيفتها. فإذا كانت الدولة ترى نفسها فوق
المجتمع، فستطلب من المجتمع أن ينقذها. أما إذا رأت نفسها خادمة للمجتمع، فستسأل
أولًا: كيف نحمي الناس؟ كيف نحفظ كرامتهم؟ كيف نضمن ألا يتحول التصحيح المالي إلى
ظلم اجتماعي؟ كيف نمنع أن تكون الأزمة فرصة لإعادة إنتاج الامتيازات ذاتها؟
إن جدوى أي نظام اقتصادي لا تُقاس فقط بمعدل النمو، ولا بحجم الاحتياطيات، ولا بجمال المؤشرات في التقارير الدولية، بل تُقاس بسؤال بسيط: ماذا يفعل هذا النظام بالإنسان وقت الشدة؟ فإذا كانت الأزمات تجعل الأغنياء أكثر قدرة على الاحتماء، والضعفاء أكثر انكشافًا، والطبقة الوسطى أكثر تآكلًا، فالنظام يحتاج إلى مراجعة عميقة. وإذا كانت الدولة تتذكر المواطن فقط حين تحتاج إلى ضرائبه ورسومه، وتنساه حين توزع الفرص والامتيازات والحماية، فالمشكلة ليست في المواطن، بل في فلسفة الحكم والاقتصاد معًا.
لقد آن الأوان لإعادة ترتيب القصة برمتها: المواطن ليس عميلًا لدى الدولة، بل هو صاحب الدولة. والمال العام ليس مال السلطة، بل مال المجتمع.
والموازنة ليست صنمًا ماليًا، بل أداة عدالة وتنمية وحماية. أما النظام الاقتصادي
الذي لا يجيب عن سؤال الإنسان وقت الأزمة، فهو نظام ناجح في الحساب، فاشل في المعنى والمضمون.





