مقالات وآراء

أسامة رشدي يكتب: هل نزل ترامب عن الشجرة ويتجه نحو صفقة واقعية مع إيران؟

بعد آخر التسريبات اليوم من «أكسيوس» (6 مايو 2026)، تواصلت التصريحات والمعلومات التي تكشف أن واشنطن وطهران أصبحتا على بُعد خطوات قليلة من توقيع مذكرة تفاهم من صفحة واحدة تحتوي على 14 نقطة، بوساطة باكستانية، تهدف إلى إعلان نهاية الحرب رسميا وبدء مفاوضات تفصيلية لمدة 30 يوما.

هذه الورقة ليست وثيقة انتقالية عادية، بل تعكس تحولًا واضحًا في توازن القوى بعد أشهر من التصعيد العسكري. اللافت أنها استجابت لكثير من المطالب الإيرانية الأساسية التي كانت ترفضها الإدارة الأمريكية سابقًا.

فهي تبدأ بـإعلان انتهاء الحرب، ثم فتح مضيق هرمز بشكل كامل وتدريجي مع رفع القيود على الملاحة من الجانبين، ورفع تدريجي للحصار البحري الأمريكي مع إطلاق مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة.

بهذا التسلسل، أعطت واشنطن طهران ما طالبت به طوال الفترة الماضية: إنهاء الضغط العسكري والاقتصادي أولاً، قبل الغوص في تفاصيل الملف النووي.

أما في الشق النووي – قلب الصراع – فالورقة تحمل تنازلات ملموسة مقارنة بالموقف الأمريكي التقليدي: إيران تلتزم بـتعليق التخصيب خلال فترة سيتم التفاوض عليها (يُتوقع 12-15 سنة في الاتفاق النهائي)، وبعد ذلك يُسمح لها بالعودة إلى تخصيب محدود (بنسبة 3.67% لأغراض مدنية). ولا يوجد شرط إلزامي بإرسال مخزون اليورانيوم المخصَّب إلى الولايات المتحدة؛ يمكن نقله إلى طرف ثالث أو تخفيضه داخل إيران تحت رقابة دولية. كما أن الاتفاق لا يطالب بتفكيك المنشآت النووية، بل يكتفي بالتأكيد على عدم استخدامها لأغراض عسكرية، مع تفتيش مفاجئ مكثف من مفتشي الأمم المتحدة.

هذه الورقة تمنح إيران تنازلات مهمة في التسلسل والتوقيت، وتعترف بواقعية جديدة فرضتها سيطرة, طهران العملية على, مضيق هرمز. فالولايات المتحدة كانت ترفض سابقًا أي حق لإيران في التخصيب بعد فترة توقف، أو حتى مناقشة الملف النووي بعد رفع الحصار. أما اليوم، فقد قبلت واشنطن بالتسلسل الإيراني (إنهاء الحرب + فتح هرمز + رفع الحصار أولاً)، مقابل حصولها على تعليق طويل للتخصيب ورقابة صارمة وإمكانية العودة الفورية للعقوبات إذا فشلت المفاوضات.

بالتأكيد غاب الحديث كليًا عن الملف الصاروخي وعن العلاقة مع الوكلاء في المنطقة، وهو ما يُعد تنازلًا إضافيًا ضمن هذه الصفقة الإطارية.

في الخلاصة: هذا اعتراف أمريكي بأن الضغط العسكري وحده لم يعد كافيًا، وأن «الصفقة العملية» أصبحت الخيار الوحيد المتاح. الساعات الـ48 القادمة حاسمة.. طهران سترد على الورقة الأمريكية، وترامب ينتظر. وإذا توافق الطرفان، فستكون هذه أول صفقة نووية-إقليمية شاملة منذ سنوات، ودليلًا واضحًا على أن الواقعية السياسية غالبًا ما تفرض نفسها على حساب الخطاب الانتخابي.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى