
في أحد الفصول الدراسية بمدرسة حكومية في شبرا ، يجلس 70 تلميذاً خلف مقاعد خشبية متآكلة، يتصببون عرقاً تحت مروحة سقف متوقفة منذ شتاء 2014.
تشرح لهم المعلمة، وهي سيدة أربعينية تتقاضى راتباً لا يتجاوز ثمن حذاء رياضي لائق، درساً في الرياضيات بصوت أجش لم يعد يعلو على ضجيج الشارع المتسرب من النوافذ المكسورة.
ليس هذا المشهد استثناءً في مصر عام 2026، بل هو الصورة اليومية لنظام تعليمي تآكل من الداخل على مدى عقد كامل، فيما انشغلت الدولة بمشاريع الكباري والترعه ووعود براقة.
تحت وطأة انكماش الموازنات، وانفجار الكثافات الطلابية، وانهيار هيبة المعلم، لم يعد السؤال هل يتراجع التعليم في مصر؟
بل هل ما زال هناك ما يمكن تسميته “تعليماً”؟
منذ أن تولى السيسي الحكم عام 2014، خضع قطاع التعليم لجراحة مالية صامتة.
فبينما كانت الخطابات الرسمية تتغنى بـ”بناء الإنسان المصري”، كانت الأرقام تروي قصة معاكسة تماماً.
انخفضت نسبة الإنفاق على التعليم من الناتج المحلي الإجمالي بشكل متدرج ومريب، من 3.8% في العام المالي 2014-2015 إلى 1.72% فقط في موازنة 2024-2025، وفقاً لتحليل أجرته منظمة “هيومن رايتس ووتش” في بداية العام الجاري.
ما يعني أن الدولة التي زاد ناتجها المحلي، بفعل المشروعات العقارية والاقتراض، اختارت أن تمنح التعليم فتاتاً متناقصاً، في مخالفة صريحة لدستور 2014 الذي ألزمها بتخصيص 4% على الأقل للتعليم قبل الجامعي و2% للتعليم العالي.
هذا الانكماش المالي لم يغرق المدارس في العتمة فحسب، بل أطفأ الحلم في عيون مئات الآلاف من المعلمين.
ففي وقت سجلت فيه القاهرة أرقاماً قياسية في بناء الأبراج الفاخرة والعاصمة الإدارية الجديدة، كان المعلم المصري يتقاضى أسبوعياً ما يعادل 521 جنيهاً في عام 2018، ليتآكل دخله الحقيقي لاحقاً بنسبة تجاوزت النصف مقارنة بعام 2014.
فلم يعد المعلم قادراً على شراء كتاب لأطفالي، فكيف يقوم بتعليم أطفال الآخرين؟
فبعض المعلمين اتجهوا لمص دم أولياء الامور بالدروس الخصوصية والبعض الاخر اضطر للعمل في مهن اخري بعد اليوم الدراسي مثل توصيل الطلبات او قياده توك توك.
او الهجرة إلى دول الخليج، التي صارت نزيفاً صامتاً يفرغ المدارس من أصحاب الخبرة، تاركة الغلابى من الطلاب بين يدي خريجين جدد لا يجدون في التدريس سوى محطة انتظار يائسة.
أما الضحية الأكثر وضوحاً فهي جودة ما يتلقاه الطالب.
حين يضطر التلميذ إلى مشاركة مقعده الخشبي مع زميلين آخرين، وتتجاوز كثافة الفصل 50 طالباً، يصبح أي حديث عن “التعلم النشط” أو “التفكير النقدي” ضرباً من العبث.
نظام التعليم الجديد (2.0) الذي أُطلق عام 2018 بضجة إعلامية هائلة، وعد بتغيير فلسفة التقييم من الحفظ إلى الفهم، لكنه اصطدم بواقع فصول مكتظة ومعلمين لم يتلقوا تدريباً كافياً، فتحول إلى حبر على ورق في معظم المدارس الحكومية، بينما استمر سوق الدروس الخصوصية في ابتلاع ميزانيات الأسر التي أنهكها التضخم.
تشير تقديرات غير رسمية إلى أن إنفاق الأسر المصرية على الدروس الخصوصية يفوق الميزانية الرسمية للتعليم بأضعاف، ليصبح “مجاني التعليم” أسطورة توارثها الفقراء جيلاً بعد جيل، فيما يشتري القادرون تعليماً موازياً في مدارس خاصة ارتفعت أعدادها بشكل جنوني منذ 2014.
هكذا لم يعد النظام التعليمي مجرد أداة لبناء المعرفة، بل تحول إلى ماكينة لإعادة إنتاج التفاوت الطبقي.
في مدارس التجمع الخامس، يدرس الطلاب بمعامل ذكاء اصطناعي، فيما في قرى الصعيد، يلهث تلاميذ خلف معلم واحد لثلاثة صفوف دراسية في “مدرسة الفصل الواحد”.
بلغت الفجوة حداً جعل خريجي التعليم الفني، الذين يشكلون نصف العاطلين، يكتشفون أن حظوظهم في سوق العمل تقل 6% عن نظرائهم من حملة الثانوية العامة، في سوق عمل أصلاً لا ترحم.
وفي العمق، يتجاوز انحدار التعليم سوء التدبير المالي ليقترب من فلسفة حكم كاملة.
لقد أُحكم الخناق على أي نقاش عام حقيقي حول أولويات الدولة فكما لاحظت منظمات حقوقية، غياب الانتخابات الحرة وحرية التعبير حال دون محاسبة الحكومة على تقاعسها، وحوّل قطاع التعليم إلى ملف بلا ضغط شعبي مؤثر.
في غضون ذلك، راقب المراقبون كيف أُعيد تشكيل المناهج، بخاصة في العلوم الإنسانية والتاريخ، لتصب في تعزيز الولاء السياسي والطاعة، في وقت تمددت فيه “المدارس العسكرية” كخيار تستقطب به الدولة أبناء الطبقات الطامحة للانضباط والوظيفة الآمنة في آن.
في لحظة نادرة من الصراحة، أقرّ السيسي بأن حجم الإنفاق على تعليم 25 مليون طالب “لا يكافئ” احتياجاتهم، مضيفاً بعبارة بدت أقرب إلى استقالة أخلاقية “أقول هذا الكلام لأننا كلنا عارفين”.
هذا الاعتراف، بدلاً من أن يطلق خطة إنقاذ حقيقية، بدا أشبه بإغلاق الملف فلا زيادة تُذكر في النسب الدستورية، ولا محاسبة لمتسبب، ولا تحول في بوصلة الأولويات بعيداً عن الأسمنت نحو العقول.
في النهاية، حين تتحول فصول الدراسة إلى مخازن بشرية، وحين يذبل المعلم، وحين يصبح التعليم الجيد سلعة للقادرين، لا تنهار فقط جودة الخريجين، بل تنهار معها فكرة المواطنة ذاتها.
فالجيل الذي يتعلم في ظل هذا العجز المزمن، سينشأ وهو يدرك مبكراً أن دولته لا تستثمر فيه، وأن طريقه الوحيد للخلاص فردي إما الهجرة، أو الركض في سوق سوداء للمعرفة، أو الاستسلام لبؤس لا يبدو أن له نهاية.
وما لم تعترف النخبة الحاكمة بأن كرامة الوطن تبدأ من كرامة معلمه وكتاب تلميذه، فستظل مصر تتباهى بجسورها وناطحات سحابها، فيما ينهار جسرها الوحيد نحو المستقبل تحت أقدام الملايين.







