عصر العقل: كيف ينهي العلم صراع البقاء للحركات الإسلامية؟

قام مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية بنشر تقرير استراتيجي يحلل الفجوة المعرفية وأزمات البناء في الكيانات الإسلامية خلال العقود الأخيرة، بعنوان تحليل استراتيجي: الفجوة المعرفية وأزمة البناء (2026)
تضع هذه الدراسة يدها على الجرح الغائر في مسيرة الحركات الإسلامية؛ فهي ترى أن التعثر لم يكن “أمنياً” أو “تنظيمياً” فحسب، بل هو في جوهره فشل معرفي في قراءة لغة العالم الحديث.
الفجوة المعرفية تمثل التحدي الأكبر أمام استمرارية الكيانات الإسلامية في الواقع السياسي المعاصر .
تواجه التنظيمات الإسلامية أزمة وجودية لم تعد تتعلق بالضغوط الأمنية أو الملاحقات التنظيمية فحسب، بل تمتد لتشمل نقصاً حاداً في الأدوات المعرفية والعلمية اللازمة لإدارة الصراعات الحديثة والتعامل مع تعقيدات السلطة. وتكشف القراءة المتأنية لمسار هذه الحركات عبر خمسة عقود عن تراجع واضح في القدرة على فهم التحولات التكنولوجية والاقتصادية التي أعادت صياغة مفهوم القوة في النظام الدولي، مما جعلها في حالة ارتباك مستمر أمام “الحروب المركبة” والتحولات السيبرانية.
غياب التخصص يعمق أزمات الإدراك السياسي
تبدو الفجوة المعرفية واضحة في الافتقار إلى كوادر مؤهلة في العلوم السياسية الحديثة وفنون إدارة الدولة العميقة، وهو ما أنتج قراءات سطحية للواقع السياسي واتخاذ قرارات كلفت هذه الحركات رصيدها الشعبي والتنظيمي. إن الاعتماد المفرط على الخطاب الشرعي التقليدي دون دمجه بعلم الاستراتيجية والدراسات المستقبلية حال دون بناء سيناريوهات بديلة، مما جعل رد الفعل هو المحرك الأساسي لمواقفها بدلاً من المبادرة الواعية القائمة على استشراف المآلات.
تفتقد هذه المجموعات تاريخياً لأساسيات الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع المعاصر، مما تسبب في عجز فاضح عن تقديم برامج واقعية تلامس احتياجات الجماهير أو تفهم ديناميكيات الأسواق العالمية. ولم يتوقف الأمر عند حدود السياسة والاقتصاد، بل امتد لضعف التمكن من الاتصال الاستراتيجي وفنون الإعلام الحديث، مما أدى لخسارة معركة السردية أمام الخصوم، وتآكل الصورة الذهنية لهذه الكيانات في ظل غياب فهم سيكولوجية الجماهير وإدارة الإدراك العام.
إعادة بناء العقل كشرط للفاعلية المستقبلية
يتطلب الخروج من نفق التعثر الحالي بناء عقل استراتيجي جديد يقطع مع أساليب الحشد التقليدية ويتجه نحو تأسيس مراكز تفكير بحثية تنتج معرفة تطبيقية تخدم صناعة القرار. إن دمج المرجعية الفكرية بالعلوم الإنسانية الحديثة أصبح ضرورة لا رفاهية، لضمان عدم انفصال النصوص عن متطلبات الفعل في بيئة دولية لا تعترف إلا بلغة البيانات والذكاء الاصطناعي والحوكمة المؤسسية الاحترافية.
تتجه السيناريوهات القادمة نحو حتمية التحول المعرفي الشامل أو مواجهة التآكل التدريجي، حيث تبرز الحاجة إلى كوادر تمتلك مهارات إدارة المخاطر والتحليل الرقمي بعيداً عن التكوين التقليدي المحدود. إن النجاح في المرحلة المقبلة مرتبط بمدى القدرة على تحويل التنظيم من مجرد وعاء للحشد إلى مشروع معرفي متكامل، يمتلك أدوات الفهم ويحسن المناورة في عالم متعدد الأقطاب يعيد تشكيل خارطة التأثير وفقاً لقواعد العلم والقوة.







