ذاكرة التاريخملفات وتقارير

من ذاكرة التاريخ: الملك الشاب يطأ أرض الوطن.. كواليس عودة فاروق الأول لتولى عرش مصر 1936

في مثل هذه الأيام من شهر مايو عام 1936، كانت مصر على موعد مع مشهد تاريخي مهيب، حيث استقبلت “ملكها الوسيم” العائد من ضباب لندن ليجلس على عرش “المحروسة” خلفاً لوالده الملك فؤاد الأول. ورغم أن الذكرى الرسمية لجلوسه على العرش اعتُبرت يوم السادس من مايو، إلا أن يوم السابع من مايو (زي النهارده من 90 عاماً) كان الشاهد الحقيقي على أولى خطوات الملك الشاب في عاصمة ملكه، وسط احتفاء شعبي لم تشهده البلاد من قبل.

رحلة العودة.. حين فرضت بريطانيا مسار “اليخت الملكي”

بعد وفاة الملك فؤاد في 28 أبريل 1936، قطع الأمير الشاب فاروق (المولود في 11 فبراير 1920) رحلته التعليمية في إنجلترا. وبحسب ما ذكرته الدكتورة لطيفة سالم في كتابها “فاروق وسقوط الملكية”، فإن السلطات البريطانية تدخلت حتى في تفاصيل الرسو؛ إذ أمرت بأن ترسو الباخرة في الإسكندرية بدلاً من بورسعيد في مساء 5 مايو 1936 كنوع من “المجاملة السياسية”. وصل فاروق وهو يشعر بـ “غصة” داخلية؛ فقد باغتته الوفاة قبل أن يكمل تعليمه، وصرح لرئيس وزرائه علي ماهر باشا بأسفه على هذا النقص التعليمي الذي حاول تعويضه لاحقاً بإظهار سعة الاطلاع في كل شيء.

7 مايو 1936.. أول يوم للملك في قصر “رأس التين”

تصف جريدة “الأهرام” في عددها الصادر يوم 7 مايو 1936 حال الملك الشاب عند وطأت قدماه أرض مصر؛ حيث ظهرت على وجهه مسحة من الكآبة لفقدان أبيه، لكنها سرعان ما تبددت أمام حشود المستقبلين وعلى رأسهم “صانع الملوك” علي ماهر باشا. صعد فاروق إلى قاعة العرش بقصر رأس التين بالإسكندرية، وتبوأ أريكة الملك لأول مرة، ثم استقل المركبة الملكية المكشوفة مع رئيس الوزراء وسط هتافات دوت في أرجاء “ثغر المتوسط”، متوجهاً إلى محطة مصر ليستقل القطار الملكي إلى القاهرة.

صناعة “الملك المحبوب”.. حكايات الأمهات الطيبات

في تلك اللحظات، بدأت ماكينة الدعاية الملكية بقيادة “أحمد حسنين باشا” وبالاتفاق مع الملكة نازلي في رسم صورة “الملك المثالي”. ويصف الكاتب أحمد بهاء الدين في كتابه “فاروق ملكاً” كيف تبارى الجميع في تأليه الملك الشاب؛ فنشرت الصحف قصصاً عن ذكائه الخارق، ورقة قلبه، بل وامتدت الحكايات لتصل إلى مرضعته التركية “عائشة جلشان” التي ادعت أنها لاحظت علامات العبقرية عليه وهو لا يزال رضيعاً، ليلتهم المصريون هذه الأخبار بشغف، باحثين عن أمل جديد في ملك يافع لم يتجاوز السادسة عشرة.

أول خطاب للأمة: “مجد الملك من مجد شعبه”

في أعقاب هذه العودة، وتحديداً في يوم الجمعة 8 مايو 1936، وجه الملك فاروق أول خطاب تاريخي له عبر الإذاعة إلى الأمة المصرية، وهو الخطاب الذي حمل نبرة عاطفية ودستورية قوية، وجاء فيه:

“إني أستقبل حياتي الجديدة بعزم وثاب وإرادة قوية، وأعاهدكم عهداً وثيقاً على أنني سأقف حياتي على العمل لنفعكم.. فإني أؤمن بأن مجد الملك من مجد شعبه.. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله.”

لقد كان هذا اليوم بمثابة “شهر عسل” قصير بين العرش والشعب، قبل أن تتقاذف الأمواج السياسية هذا الملك الشاب في رحلة بدأت بالبشر والحفاوة وانتهت بالرحيل المر في عام 1952.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى