ذاكرة التاريخملفات وتقارير

من ذاكرة التاريخ: 6 مايو 1927.. يوم أن بايع العرب “شوقي” أميرا على عرش القوافي

في مثل هذه الأيام من شهر مايو عام 1927، كانت القاهرة تعيش عرسًا ثقافيًا لم تشهده من قبل، حيث اختُتم “أسبوع شوقي” في السادس من مايو بمبايعة الشاعر الكبير أحمد شوقي (1868 – 1932) “أميراً للشعراء”. لم تكن تلك البيعة مجرد تكريم مصري، بل كانت استفتاءً عربياً شاملاً شاركت فيه وفود من المحيط إلى الخليج، لتعلن أن زعامة مصر الثقافية تتجسد في عبقرية شوقي، الذي أعاد للشعر العربي رصانته وجزالته في عصره الحديث.

نخلة البحرين الذهبية.. تحفة الوفاء من لؤلؤ الخليج

من أبهى صور التكريم التي شهدها هذا الاحتفال، كانت تلك الهدية الأسطورية التي قدمتها مملكة البحرين لأمير الشعراء، بتوجيه من المغفور له الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة (نائب حاكم البحرين آنذاك). كانت الهدية عبارة عن نخلة من الذهب الخالص، بارتفاع 33 سم، يتدلى منها أربعة عقود من اللؤلؤ البحريني الحر، مثبتة على قاعدة من حجر الكهرمان الأصفر.

بلغت تكلفة الذهب في تلك النخلة وقتها 150 جنيهاً، وهي قيمة ضخمة بمعايير ذلك العصر، ولم تكن مجرد قطعة ثمنية، بل كانت “رسالة حب” من النادي الأدبي بالمحرق، سلمها بالنيابة عنهم الأستاذ محمد علي الطاهر، لتؤكد أن ريادة شوقي بلغت أقصى بلاد العرب وتغلغلت في وجدان أهل الخليج.

هدايا الشرق لأمير البيان: أقلام وكؤوس من ذهب

لم تكن البحرين وحدها في مضمار التكريم، بل تسابق الشرق لإهداء “أريحية” التقدير لشوقي، ومن أبرز تلك الهدايا التي رصدها المؤرخون كأس ذهبية قدمها الاتحاد النسائي المصري تعبيراً عن تقدير المرأة المصرية لدوره الأدبي، وقلم ذهبي أهداه له النادي العربي بعدن (اليمن)، رمزاً للكتابة التي لا تنطفئ شعلتها، وعلبة فضية وإطار فاخر من النادي العربي في بومباي (الهند)، ضمت قصيدته الشهيرة “قم ناجِ جِلّق”.

زعامة مصر الثقافية في كلمات شفيق باشا

أكد الدكتور أحمد شفيق باشا، رئيس لجنة الاحتفال، في كلمته الختامية، أن هذا الاحتشاد العربي حول شوقي هو إقرار بـ “زعامة مصر” لكل الناطقين بلاد الضاد. فقد عجزت اللجنة عن تلاوة كل القصائد والبرقيات التي وصلت من الأقطار العربية والخارجية بسبب كثرتها، مما استدعى جمعها لاحقاً في “الكتاب الذهبي”. لقد كان أسبوع شوقي تظاهرة سياسية بصبغة أدبية، أثبتت أن الكلمة الصادقة قادرة على توحيد الشعوب أكثر من أي شعارات أخرى.

رحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي، الذي توجته القلوب قبل الملوك، وظلت نخلته الذهبية رمزاً للروابط الثقافية الخالدة بين مصر وأشقائها العرب.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى