العالم العربي

صلاح قوش أمام ملاحقات إماراتية جديدة.. هل تطلب أبوظبي تسليمه من القاهرة؟

في تصعيد قانوني وسياسي جديد، أحال النائب العام الإماراتي، في 30 أبريل 2026، 13 متهمًا و6 شركات مسجلة داخل الإمارات إلى محكمة أمن الدولة في أبوظبي، على خلفية اتهامات تتعلق بمحاولة تمرير مواد عسكرية وذخائر إلى بورتسودان، في قضية برز فيها اسم رئيس المخابرات السودانية الأسبق صلاح قوش، إلى جانب نائب القائد العام للجيش السوداني الفريق ياسر العطا.


وتعيد القضية فتح ملف صلاح قوش، أحد أكثر الأسماء إثارة للجدل في المشهد السوداني خلال العقود الأخيرة، بعدما وصفته السلطات الإماراتية ضمن شبكة متهمة بالاتجار غير المشروع في المعدات العسكرية وغسل الأموال، بينما قالت تقارير إن الشحنة المزعومة كانت مرتبطة بمحاولة تمرير ملايين الطلقات والمواد العسكرية إلى الجيش السوداني عبر الأراضي الإماراتية.


وتكتسب القضية أبعادًا سياسية إضافية، مع إقامة قوش في مصر منذ عام 2019، عقب سقوط نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت أبوظبي قد تتجه إلى مطالبة القاهرة رسميًا بتسليمه، في ظل تداخل الحسابات الإقليمية المرتبطة بالحرب السودانية.
من محاولة اغتيال مبارك إلى الإقامة في القاهرة
بدأ صلاح عبد الله قوش، المولود عام 1957، مسيرته من جامعة الخرطوم، حيث درس الهندسة وانخرط في صفوف الحركة الإسلامية، قبل أن يصعد داخل أجهزة الأمن عقب انقلاب عام 1989، ثم يتولى لاحقًا رئاسة جهاز المخابرات السوداني حتى عام 2009، قبل إعفائه من منصبه.
وخلال فترة توليه رئاسة المخابرات، ارتبط اسمه بالتعاون الأمني بين الخرطوم ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في ملف “مكافحة الإرهاب”، خاصة في ظل معرفة الأجهزة الغربية بعلاقاته القديمة بملفات الجماعات المتشددة خلال فترة إقامة أسامة بن لادن في السودان.
لكن مسيرته لم تخلُ من محطات صدامية، إذ أُقيل لاحقًا من مواقع أمنية وسياسية، واتُّهم بمحاولة انقلاب، قبل الإفراج عنه بعفو رئاسي عام 2013، ثم عاد مرة أخرى إلى رئاسة جهاز المخابرات عام 2018، في المرحلة الأخيرة من حكم عمر البشير.


ورغم علاقاته الوثيقة بأجهزة مصرية، ظل اسمه حاضرًا في واحدة من أكثر الوقائع حساسية في العلاقة بين القاهرة والخرطوم، وهي محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، وهي الواقعة التي ارتبطت بتوترات حادة بين البلدين خلال تلك المرحلة.
وبعد سقوط البشير في أبريل 2019، استقال قوش من منصبه وانتقل إلى مصر، حيث قالت مصادر سودانية إن القاهرة تحولت إلى مقر إقامته منذ مايو من العام نفسه، مع التزامه الابتعاد عن الظهور الإعلامي رغم تلقيه عروضًا للحديث عن كواليس سقوط نظام البشير والصراع داخل السودان.
ملاحقات وعقوبات دولية


منذ مغادرته السودان، واجه قوش سلسلة من الملاحقات، بينها تصنيفه من جانب الولايات المتحدة في 2019 ضمن المتورطين في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ثم صدور مذكرات سودانية بحقه، وصولًا إلى مطالبات بتسليمه عبر الإنتربول، بحسب ما ورد في النص الأصلي.
وفي ديسمبر 2023، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على صلاح قوش، وقالت إنه عمل، مع شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، على تقويض الاستقرار والانتقال المدني في السودان، ضمن إجراءات استهدفت شخصيات سودانية متهمة بتهديد السلام والأمن والاستقرار.


وفي ديسمبر 2024، أدرج الاتحاد الأوروبي قوش على قائمة العقوبات المرتبطة بالسودان، باعتباره من الشخصيات التي يرى الاتحاد أنها تهدد السلام والاستقرار والأمن في البلاد، وذلك ضمن حزمة استهدفت أربعة أفراد على صلة بتطورات الحرب السودانية.


دور متجدد في الحرب السودانية
ومع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع،
عاد اسم قوش للواجهة مجددًا، في ظل اتهامات وتقارير تتحدث عن أدوار له في دعم الجيش السوداني، وحشد شبكات سياسية وأمنية مرتبطة بالنظام السابق لصالح المؤسسة العسكرية.
وتشير المعلومات الواردة في النص الأصلي، نقلًا عن باحثين ومحللين سودانيين، إلى أن قوش استثمر خبرته القديمة في الملفات الأمنية والعسكرية وشبكات الإمداد، خاصة أنه عمل في مراحل سابقة داخل منظومة الصناعات العسكرية السودانية، وكان على صلة بمصانع تسليح خلال عهد البشير.
كما وردت إشارات إلى تحركات إقليمية، بينها زيارة منسوبة إلى قوش لإريتريا في مايو 2025، وما تردد عن ترتيبات لوجستية مرتبطة بدعم الجيش السوداني، في وقت تشهد فيه المنطقة تقاطعًا واضحًا بين الحسابات المصرية والإريترية والسودانية بشأن مستقبل الحرب ومؤسسات الدولة في السودان.
هل تطالب الإمارات مصر بتسليمه؟
تفتح الإحالة الإماراتية الأخيرة الباب أمام سؤال حساس: هل تتحول القضية من ملف اتهام داخلي أمام محكمة أمن الدولة في أبوظبي إلى طلب رسمي لتسليم صلاح قوش من مصر؟


ويرى محللون سودانيون، بحسب النص الأصلي، أن إدراج قوش وياسر العطا في صدارة القضية يحمل رسالة سياسية إلى القاهرة، باعتبارها الدولة التي تستضيف قوش منذ سنوات، كما يعكس جانبًا من الصراع الإقليمي حول الحرب السودانية وموقع كل طرف من الجيش وقوات الدعم السريع.
في المقابل، يشكك محللون في المنطق اللوجستي لبعض الاتهامات، متسائلين عن دوافع استخدام مسارات طويلة ومعقدة لتمرير الأسلحة عبر دولة تعتبرها الخرطوم خصمًا سياسيًا، بدلًا من الاعتماد على طرق إمداد حدودية أو إقليمية أقرب.
أما قانونيًا، فإن الاتهامات المتعلقة بغسل الأموال والاتجار غير المشروع بالمعدات العسكرية وتمويل نزاع إقليمي قد تفتح الباب أمام مذكرات توقيف أو طلبات تعاون قضائي جديدة، لكن استجابة القاهرة لأي طلب محتمل ستظل مرهونة بحسابات سياسية وأمنية شديدة التعقيد.


قضية تتجاوز صلاح قوش
لا تبدو القضية الإماراتية الجديدة مجرد ملاحقة جنائية محدودة، بل تأتي في سياق صراع أوسع حول الحرب السودانية، وأدوار الأطراف الإقليمية، وشبكات النظام السابق، ومسارات دعم الجيش أو قوات الدعم السريع.
وبين اتهامات أبوظبي، وموقع قوش داخل القاهرة، والعقوبات الأمريكية والأوروبية المفروضة عليه، تتشكل معادلة دبلوماسية معقدة قد تضع مصر أمام اختبار حساس إذا تطورت القضية إلى طلب تسليم رسمي.
وتبقى الملاحقات المرتبطة بصلاح قوش مؤشرًا إضافيًا على أن الحرب السودانية لم تعد محصورة في الداخل، بل تحولت إلى ملف إقليمي مفتوح، تتداخل فيه الحسابات الأمنية والقانونية والسياسية بين عواصم عدة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى