مقالات وآراء

ملاك جعفر عباس تكتب: لبنان بوابة المشرق الجديد: رافعة سعوديّة كبرى؟

تفرض التحوّلات الكبرى في الإقليم، التي أفرزتها الحرب على إيران وما يرافقها من إعادة رسم لخرائط النفوذ في الشرق الأوسط ودائرته الأوسع الممتدّة إلى القرن الإفريقيّ ووسط آسيا، إعادة نظر جذريّة في موقع لبنان ووظيفته ودوره. لبنان المنكوب بسلاح “الحزب”، وبدولة ضعيفة، وعدوّ إسرائيليّ متغوّل، ومجتمع على حافة الانفجار، لا يمكن أن يبقى ملفّاً هامشيّاً على طاولة الكبار، يدار بالحدّ الأدنى من الاهتمام العربيّ والدوليّ.

في لحظة إعادة تشكيل المشرق، يتحوّل لبنان إلى بوّابة الأمن الخليجيّ على المتوسّط، وإلى امتداد جيوسياسيّ طبيعيّ للحقل السعوديّ – التركيّ المتبلور في سوريا، وإلى نقطة تماسّ حسّاسة بين المشروع العربيّ الجديد وبقايا النفوذ الإيرانيّ والمحور الإسرائيليّ العابر من اليونان إلى الهند. لذا لبنان يحتاج إلى أكثر من إدارة لأزماته تؤبّد حالة الشلل. يحتاج إلى مشروع عربيّ يضع تصوّراً استراتيجيّاً متكاملاً يعيد إدخاله في المجال العربيّ الحيويّ ليكون جزءاً من معادلة الأمن الإقليميّ الجديدة.

إذا كانت سوريا تتحوّل من ساحة نفوذ إيرانيّة إلى عقدة أساسيّة في المحور العربيّ – الإسلاميّ الصاعد، فلا يجوز أن يبقى لبنان آخر الجيوب المتقدّمة للمشروع الإيرانيّ على المتوسّط. بالمقدار نفسه، لا يجوز أن يتحوّل إلى حلقة تصل النفوذ الإسرائيليّ بالسواحل اليونانيّة والقبرصيّة.

تفرض الحرب مع إيران على دول الخليج، وفي مقدَّمها المملكة السعوديّة، إعادة تقويم مفهوم الأمن الاستراتيجيّ، لكنّ هذه المراجعة لا يمكن أن تتجاهل لبنان بشواطئه ومرافئه وحدوده وجيشه وموقعه بين سوريا وإسرائيل وقبرص وتركيا.

الانطباع الشيعيّ العامّ، مهما بدا ملتبساً أو مصطنعاً في بعض جوانبه، هو مادّة سياسيّة حقيقيّة لا يمكن القفز فوقها

خاصرة رخوة أم مساحة استراتيجيّة؟

لم يعد المفهوم السعوديّ الجديد للأمن الخليجيّ، كما يشير كثير من المراكز البحثيّة والأكاديميّة، منحصراً داخل حدود مجلس التعاون. لقد أثبتت السنوات الأخيرة أنّ أمن الخليج يتقرّر أيضاً في البحر الأحمر وفي القرن الإفريقيّ وفي العراق وسوريا وفي شرق المتوسّط. في خضمّ تصاعد الاختلاف على تعريف الأمن الخليجيّ ومصادر تهديده وأولويّاته يجب ألّا ينزلق لبنان إلى صراع محاور خليجيّ-خليجيّ، بل أن يحسم خياراته سريعاً.

من هذه الزاوية لا بدّ من النظر إلى لبنان من علوّ استراتيجيّ بعدسة zoom out كبوّابة أو ثغرة. يمكن أن يكون لبنان جزءاً من مجال عربيّ سعوديّ قادر على ضبط المشرق وتحويله إلى بوّابة تصدير واستيراد وتنمية وازدهار، ويحتمل أيضاً إن تُرك وأُهمل أن يبقى قاعدة مهترئة للنفوذ الإيرانيّ وساحة مفتوحة للتدخّل الإسرائيليّ وممرّاً للفوضى إلى الداخل العربيّ يهدّد بتقويض كلّ التحوّلات الاستراتيجيّة.

الخطوة السعودية الأولى كانت في إعادة تكون السلطة برئيسي الجمهورية والحكومة، والتي تجري صيانتها ومتابعتها بشكل دقيق والدائم من الجانب السعودي مع كل العناوين الكبرى التي تحيط بالدولة منذ أكثر من سنة حتى اليوم.

لذلك يتجاوز ما يعتمل في لبنان كونه مخاضاً لبنانيّاً نحو الدولة إلى ما هو في جوهره سؤال عربيّ بامتياز: هل يُترك لبنان ليكون خاصرة رخوة في المشرق الجديد أم يُعاد إدخاله في صلب معادلة الأمن العربيّ – الخليجيّ – السعوديّ؟ وهل يُنظر إليه كبلد صغير مثقل بأزماته منكوب بسياسيّيه أم كمساحة استراتيجيّة تختصر الصراع على شرق المتوسّط وعلى بقايا النفوذ الإيرانيّ وعلى مستقبل سوريا وعلى قدرة السعوديّة وتركيا والعالم العربيّ على بسط حقل مستقرّ ومتّصل من الخليج إلى المتوسّط؟

هذه هي النقطة التي لا بدّ من أن يطرحها لبنان في الرياض لتطرحها الرياض في واشنطن.

عندما ترى الرياض لبنان بهذه العدسة يمكن لها عندئذ أن تقبل الأطروحة القائمة على استحالة تنفيذ الشروط الكبرى بلا الرافعة الكبرى، فماذا تعني الرافعة الكبرى؟

التعاطي مع مشكلة سلاح “الحزب” يجب ألّا يبدأ من السلاح نفسه، بل من استعادة الدولة للوظائف التي صادرها “الحزب”

تعني أوّلاً أن يعاد تعريف المسألة اللبنانيّة في واشنطن بإعادة هندسة المقاربة السطحيّة القائمة على أنّ في لبنان حزباً مسلّحاً يجب الضغط على الدولة “الكسولة والضعيفة” لتنزع سلاحه من خلال طرح بديل شامل يقوم على تمكين الدولة أوّلاً من استعادة الوظائف التي صادرها “الحزب” والتي تقاعست هي عن أدائها.

صادر “الحزب” وظيفة الحماية واحتكرها حين غابت الدولة عن الجنوب، كما احتكر وظيفة الردع حين عجز الجيش عن مواجهة إسرائيل، واحتكر الرعاية الاجتماعيّة حين انهار الاقتصاد وتعثّرت المصارف، والأهمّ أنّه احتكر وظيفة التمثيل مع حركة أمل حين شعر جزء واسع من الشيعة أنّ النظام لا يراهم إلّا بوصفهم مشكلة أمنيّة أو فائضاً ديمغرافيّاً أو امتداداً إيرانيّاً.

قد تكون معظم هذه الفرضيّات مخطئة ومجتزأة، ويمكن دحضها بالأرقام والوقائع، لكنّ السياسة لا تتحرّك دائماً بما هو صحيح، بل بما تعتقده الجماعات عن نفسها وعن خوفها وموقعها. الانطباع الشيعيّ العامّ، مهما بدا ملتبساً أو مصطنعاً في بعض جوانبه، هو مادّة سياسيّة حقيقيّة لا يمكن القفز فوقها. لذا التعاطي مع مشكلة سلاح “الحزب” يجب ألّا يبدأ من السلاح نفسه، بل من استعادة الدولة للوظائف التي صادرها “الحزب”.

هذه هي الفكرة التي تستطيع المملكة السعوديّة تدريسها للأميركيّين بلغة المصالح لا بلغة العواطف: لا يمكنك سحب ورقة “الحزب” من إيران بإبقاء لبنان مكشوفاً أمام إسرائيل. لا يمكنك بناء دولة لبنانيّة بدفعها إلى اقتتال أهليّ، ولا يمكنك الدفع نحو مفاوضات متهوّرة بلا مرجعيّة ولا إطار واضح بلا تعريض رأس الدولة ورؤوس السلطة لضغط يفوق قدرة النظام على احتماله.

في بلد هشّ كلبنان، قد تتحوّل استقالة أحد أركان الحكم أو استهدافه، لا سمح الله، إلى بداية فراغ لا يملؤه الاعتدال، بل الأكثر تشدّداً. قد يفقد دعاة بناء السلام العادل والشامل في الإقليم الفرصة اللبنانيّة الوحيدة المتاحة بوجود هذا الثلاثيّ في الحكم، لأنّ أيّ بديل يأتي في قلب الفوضى سيكون حكماً أكثر تشدّداً وأقلّ قدرة على المناورة.

الفكرة هي أنّ الدولة، أيّاً يكن الرأي في الأشخاص الذين يشغلون المناصب الكبرى فيها، تحتاج إلى رافعة كبرى قوامها المال والسلاح والغطاء السياسيّ والانسحاب الإسرائيليّ وإعادة الإعمار الفوريّة وتبادل الأسرى والاحتضان العربيّ للبيئة التي يراد فصلها عن نفوذ الحرس الثوريّ.

ما دامت إسرائيل تحرق الجنوب وتضرب وتغتال في باقي المناطق متى شاءت وكيفما شاءت وبقي الشيعة في نزوحهم المؤبّد وبقيت الدولة مفلسة، ثمّ يُطلَب إلى الجيش الدخول إلى البيئة الشيعيّة بصفة الخصم، وإلى الرئيس أن يتصوّر مع مهندس الإبادة، فلن نكون أمام مشروع فرض السيادة، بل الأرجح أمام فوضى وحرب أهليّة.

لا يمكن لأيّ سلطة في لبنان أن تنتزع سلاحاً يقدّم نفسه، بحقّ أو بباطل، ضمانةً في وجه الاحتلال، إذا كان الاحتلال قائماً أو مستمرّاً أو مرشّحاً للتمدّد

السّعوديّة تلتقط اللّحظة؟

لا يمكن لأيّ سلطة في لبنان أن تنتزع سلاحاً يقدّم نفسه، بحقّ أو بباطل، ضمانةً في وجه الاحتلال، إذا كان الاحتلال قائماً أو مستمرّاً أو مرشّحاً للتمدّد. لا يمكن لأيّ سلطة أن تقنع الشيعة بأنّ الدولة بديل عن “الحزب” إذا كانت هذه الدولة عاجزة عن إعادة أهل الجنوب إلى قراهم. لا يمكن لأيّ جيش أن يربح معركة الشرعيّة إذا دخل إلى أرض مهدّمة بعد أن تكون إسرائيل قد رسمت حدود الحركة فيها.

لذلك يجب أن يكون المشروع العربيّ للبنان مشروع ترتيب مراحل، لا مشروع قفز فوق الواقع.

يبدأ المشروع بوقف نار فعليّ ومضمون، لا هدنة شكليّة تعطي إسرائيل حقّاً مفتوحاً في الضرب وتقيّد لبنان وحده. ليس وقف النار هنا هديّة لـ”الحزب”، بل فرصة للدولة. هو المساحة الضروريّة كي تعود المؤسّسات إلى المسرح، وكي يتحرّك الجيش من موقع الفاعل لا من موقع المتفرّج على حرب أكبر منه.

ثمّ يأتي الانسحاب الإسرائيليّ الواضح والمجدوَل من كلّ النقاط المحتلّة. يجب أن يرى الجنوبيّون أنّ الدولة هي من يستعيد الأرض. وحده الانسحاب يسحب من “الحزب” ذريعته الأقوى، ويمنح الدولة بداية سرديّة جديدة: نحن من أعدنا الناس، لا الحرب المفتوحة.

عمود المشروع الثالث هو جسر جوّيّ وماليّ للجيش اللبنانيّ فوريّ ووازن يصنع فارقاً مباشراً وملحوظاً بعين المواطن العاديّ، وليس دعم رمزيّ ولا مؤتمر مؤجّل ولا وعود مشروطة بما يستحيل تنفيذه قبل امتلاك الأدوات. لا يصبح الجيش بديلاً عن “الحزب” بقرار سياسيّ وحسب، بل حين يراه الناس في القرى وعلى الطرقات وعند المعابر ومع فرق الهندسة والدفاع المدنيّ والبلديّات، وربّما أيضاً حين يخوض مواجهة ولو محدودة مع إسرائيل يستعيد فيها شرعيّة المقاتل.

بالتوازي لا بدّ من صندوق عربيّ ـ دوليّ لإعادة إعمار الجنوب والبقاع والضاحية وسائر المناطق المتضرّرة، على أن يمرّ عبر الدولة ومؤسّساتها لا عبر شبكات “الحزب”، ويخضع لرقابة عربيّة ودوليّة مشدّدة. هذه ليست مسألة إنسانيّة فقط، بل جوهر المعركة على الشرعيّة. من يدفع بدل الإيجار يربح الناس. من يعيد البيت والمدرسة والمستشفى والطريق يربح الناس. إذا سبق “الحزب” الدولة إلى الركام عاد منتصراً ولو خسر الحرب. وإذا سبقت الدولة “الحزب” بدأ سلاحه يفقد إحدى أهمّ وظائفه.

عندها فقط يمكن أن يبدأ مسار السلاح، من دون أن يتحوّل إلى لحظة إذلال أو مشهد تلفزيونيّ لاستسلام جماعيّ. يبدأ بالسلاح الثقيل والمناطق الحدوديّة والمخازن، ويمرّ بفصل السياسيّ عن العسكريّ، ويصل إلى دمج محدود ومنضبط لبعض العناصر أو إخراجهم من الاقتصاد العسكريّ نحو مسارات مدنيّة وأمنيّة مشروطة. ليس الهدف كسر الشيعة، بل استعادة الشيعة إلى الدولة بمنطق الدولة وليس بالمنطق الذي سيطر فيه “الحزب” على الدولة خلال العشرين عاماً الماضية ليعطّلها.

حتّى تصل هذه الخطّة إلى لحظة التنفيذ، لا بدّ أن ينجح مسار باكستان أو أيّ مسار إقليميّ أوسع في فرض نهاية للحرب وبداية الحلّ في إيران. لا بدّ أن ينجح مسار الرياض-طهران في إعادة التفاهم، ليس فقط من خلال إحياء تفاهمات بكين، بل من خلال إفهام إيران أنّ مغامرتها في العالم العربيّ انتهت، وأنّ حقيقة الجغرافيا تفترض قراءة متأنّية للتاريخ تترك مجالاً لحسن الجوار.

تفترض الخطّة أيضاً حضوراً سعوديّاً في واشنطن يخاطب الإدارة الأميركيّة بلغة المصالح والشراكات المستقبليّة التي لا يمكن لإسرائيل أن تستمرّ في تخريبها بحروبها الأبديّة. ما تقدّمه للولايات المتّحدة الشراكة الاستراتيجيّة مع المملكة يفوق بأشواط ما تتكبّده الولايات المتّحدة بسبب الشراكة مع إسرائيل من أموال وتراجع في الهيبة والنفوذ والعلاقات، وهذا ما باتت تدركه شرائح سياسيّة وازنة في واشنطن من الحزبين ولا بدّ من الاستثمار في تغذيته.

تفترض الخطّة قبل كلّ ذلك أن تجد واشنطن في تل أبيب شخصيّة إسرائيليّة غير ملطّخة بوصمة الإبادة تستطيع أن تقدّمها صانعةً للسلام الإقليميّ وتستطيع أن تصافحها عندئذ يد كلّ عربيّ مؤمن بالسلام.

هكذا فقط يصبح ممكناً الكلامُ عن لبنان لا كملفّ صغير يُطلب منه تنفيذ شروط كبرى بقدرات صغيرة، بل كبلد يحتاج إلى رافعة كبرى لأنّه يقف عند تقاطع التحوّلات الكبرى. من دون هذه الرافعة سيبقى لبنان بين احتلال يخلق الذريعة، ونفوذ إيرانيّ يلتهم الدولة، وفوضى داخليّة تنتظر شرارتها. أمّا وقد التقطت المملكة السعوديّة اللحظة، ورأت لبنان كما يجب أن يُرى، بوّابة أمن خليجيّ على المتوسّط لا هامشاً صغيراً في المشرق، فقد تتحوّل هذه الكارثة إلى بداية استعادة تاريخيّة للبنان، وللدور العربيّ في لبنان، وللمشرق نفسه.

  • كاتبة صحافيّة وإعلاميّة لبنانيّة حاورت شخصيّات عربيّة وعالميّة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربيّ”. تخصّصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلّحة.
المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى