من ذاكرة التاريخ: حين كسر السلطان عبدالعزيز صيام 345 عاما ليزور “أم الدنيا”

في ربيع عام 1863، وتحديداً في شهر أبريل، شهدت مصر حدثاً لم يتكرر منذ عهد السلطان سليم الأول؛ حيث قرر السلطان العثماني عبد العزيز الأول — الشاب الطموح الذي لم يتجاوز حينها الخامسة والثلاثين — أن يكسر التقليد الإمبراطوري الصارم الذي حبس السلاطين داخل أسوار إسطنبول لقرون، وقرر القيام بأول زيارة رسمية “سياحية – سياسية” لولاية مصر في عهد الخديوي إسماعيل.
زفة المدافع في ميناء الإسكندرية
وصل السلطان إلى ميناء الإسكندرية في موكب بحري مهيب، واستُقبل بـ “زفة” عسكرية لم تشهدها المدينة من قبل؛ المدافع تطلق طلقات التحية، والجنود يصطفون في استعراضات تشبه حفلات “الأوسكار” الملكية. ولم تكن الرحلة سياسية بحتة، بل كانت عائلية أيضاً، حيث رافقه أبناء أخيه (السلاطين المستقبليين) مراد الخامس وعبد الحميد الثاني، لتكون بمثابة رحلة تثقيفية فخمة لورثة العرش.
قطار الـ VIP وصلاة “القلعة”
استقل السلطان قطاراً صُمم خصيصاً لراحته، وانتقل من الإسكندرية إلى القاهرة، حيث زار المعالم الكبرى مثل قصر النيل والقلعة، وأدى صلاة الجمعة في مسجد محمد علي وسط حشود شعبية هائلة خرجت فقط لتلمح “خليفة المسلمين” الذي نزل من برجه العاجي ليزورهم.
الشيخ العدوي: الصراحة التي هزت البروتوكول
من أطرف وأقوى مواقف الزيارة، لقاء السلطان مع علماء الأزهر. فبينما كان الجميع ينحني بروتوكولياً، وقف الشيخ العدوي بوقار العلماء قائلاً للسلطان: “انحناء إيه؟ خليني أقولك كلمتين تنفعك وتبرئ ذمتي أمام الله!”. هذا الموقف جعل الخديوي إسماعيل يشعر بإحراج شديد خوفاً من غضب السلطان، لكن المفاجأة كانت في رد فعل عبد العزيز الأول؛ فقد أُعجب بصراحة الشيخ وأمر بتكريمه، ليثبت أن “العدوي” كسب جولة الكرامة العلمية.
الأهرامات.. فخامة الحنطور في مواجهة رمال الجيزة
عند زيارة الأهرامات، تجلت العظمة التنظيمية؛ حيث ركب السلطان حنطوراً فخماً تجره أربعة خيول قوية شقت الرمال بسهولة، بينما تعثرت عربات الخديوي إسماعيل وبقية الحاشية في رمال الصحراء، في مشهد أكد أن الفخامة العثمانية كانت “محسوبة بالمليم” في ذلك الوقت.
ما وراء الكواليس: شريان الحياة الاقتصادي
الحقيقة أن الزيارة لم تكن “فسحة” فقط، بل كانت محاولة لترميم الخزانة العثمانية التي كانت تعاني من الديون (حيث كان 78% من دخل الدولة يذهب لفوائد الديون الأوروبية). كان السلطان ينظر لمصر كـ “شريان حياة” مالي وعسكري مهم للدولة العلية، وأراد تعزيز الروابط مع الخديوي إسماعيل الذي كان يطمح بدوره لاستقلال أكبر.
النهاية الدرامية واللمسة المعمارية
بعد عودة السلطان من جولة شملت فرنسا وبريطانيا، حاول نقل “الجمال المصري” إلى إسطنبول، فبنى قصوراً فخمة مثل “بيلربي” و”تشيراغان” متأثراً بالعمارة التي رآها في القاهرة. لكن دوام الحال من المحال، فقد انتهت رحلة هذا السلطان الطموح بعزله عام 1876 في انقلاب عسكري بعد عودته بسنوات.
رحم الله السلطان عبد العزيز، الذي كان أول من “سافر خلف الضوء” ليرى عظمة مصر بعينيه، فخرجت مصر من الزيارة أقوى، وعادت إسطنبول بلمحة من جمال العمارة المصرية.





