
نتائج الانتخابات المحلية البريطانية التي جرت بالأمس لم تكشف فقط عن مجرد تقدم انتخابي عابر لليمين المتطرف، بل هي أقرب لزلزال سياسي يعيد رسم الخريطة الحزبية التقليدية في بريطانيا.
فحزب الإصلاح البريطاني (Reform UK) بقيادة نايجل فاراج يحقق للمرة الأولى اختراقًا واسعًا في المجالس المحلية، متقدمًا في عشرات البلديات، وعلى حساب الحزبين التاريخيين اللذين حكما السياسة البريطانية لعقود: المحافظين والعمال.
الأرقام الأولية وحدها تكشف حجم الصدمة:
انهيار كبير للمحافظين.
تراجع واضح للعمال رغم وجودهم في الحكومة.
صعود كاسح وغير مسبوق لحزب الإصلاح.
حالة غضب شعبي من النخب السياسية التقليدية.
فهل نحن أمام “ثورة سياسية حقيقية” أم مجرد موجة احتجاج وغضب مؤقتة؟
حزب الإصلاح نجح أساسًا في استثمار:
الغضب من الهجرة غير الشرعية.
أزمة اللجوء والفنادق المخصصة للمهاجرين.
ارتفاع تكاليف المعيشة.
تراجع الخدمات العامة.
شعور قطاعات واسعة بأن الأحزاب التقليدية لم تعد تمثلهم.
لكن عند التدقيق في برنامج الحزب، يظهر أنه يقوم بدرجة كبيرة على الشعارات الشعبوية المباشرة مثل:
“أوقفوا الهجرة”
“استعيدوا بريطانيا”
“أولوية للبريطانيين”
“خفض الضرائب”
“محاربة النخب”
بينما لا تزال التفاصيل الاقتصادية والإدارية العميقة للحزب محدودة أو غير واضحة بما يكفي لإدارة دولة بحجم بريطانيا.
بل إن كثيرًا من مرشحي الحزب يدخلون المجالس المحلية للمرة الأولى، دون خبرات فعلية في إدارة البلديات أو الملفات المعقدة كالإسكان، والتعليم والنقل والرعاية الاجتماعية، والميزانيات والخدمات.
وهنا تبدأ المرحلة الأصعب، فالشعارات والاحتجاج شيء… والحكم شيء آخر تمامًا.
لذلك فإن السنوات القادمة حتى الانتخابات البرلمانية القادمة في 2029 ستكون حاسمة جدًا، إن كان حزب الإصلاح يستطيع تحويل الغضب الشعبي إلى إدارة ناجحة؟
أم أن دخوله السريع للسلطة المحلية سيكشف محدودية خبرته وبرنامجه؟
هناك من يرى أن ما يحدث يشبه بدايات موجات اليمين الشعبوي في أوروبا وأمريكا، غضب شعبي حقيقي… خطاب بسيط ومباشر… تحميل الأجانب والمهاجرين جزءًا كبيرًا من الأزمة… ثم اختبار صعب عند الاقتراب من السلطة الفعلية.
الأحزاب التقليدية تبدو مرتبكة للغاية:
المحافظون يدفعون ثمن سنوات طويلة من الأزمات والانقسامات.
العمال اكتشفوا أن إسقاط المحافظين لا يعني تلقائيًا استعادة ثقة الشارع.
والناخب البريطاني يبدو أكثر استعدادًا من أي وقت مضى لمعاقبة الجميع.
لكن رغم الضجيج الحالي، ما يزال الطريق طويلًا أمام حزب الإصلاح للوصول للحكم البرلماني، فالنظام الانتخابي البريطاني لا يرحم الأحزاب الصاعدة بسهولة، ويحتاج الحزب لتحويل هذا الزخم المحلي إلى قواعد ثابتة في الدوائر البرلمانية.
ومع ذلك… فإن مجرد وصول حزب كان يُنظر إليه قبل سنوات كحركة احتجاج هامشية إلى هذا الحجم من النفوذ المحلي، هو بحد ذاته تطور تاريخي قد يغير شكل السياسة البريطانية بالكامل خلال السنوات القادمة.
وربما تكون هذه الانتخابات هي اللحظة التي بدأت فيها نهاية الثنائية التقليدية:
“المحافظون والعمال” التي حكمت بريطانيا منذ الحرب العالمية الثانية.







