شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: صحافة تدار بالخوف.. كواليس التراجع وأسرار مساءلة البرلمان

صحافة تدار بالخوف… لا بالخسائر فقط
خرائط التراجع… وأسئلة لجنه البرلمان

أنتمي إلى قبيلة الصحافة المكتوبة والمتلفزة منذ أكثر من أربعين عامًا، عشت خلالها تفاصيل المهنة في لحظات ازدهارها وانكسارها، وتشرفت بعضوية نقابة الصحفيين المصرية، ثم تشرفت عام 1995 بحمل مقترحات النقابة وجمعيتها العمومية إلى البرلمان المصري، ضمن مشروع قانون جديد للصحافة تقدمت به بديلاً عن مشروع “ذبح الصحافة” الذي أقر عام 1994، يوم كان الصدام واضحًا بين من أرادوا للصحافة أن تكون سلطة رقابة ومساءلة، ومن أرادوها مجرد مرفق تابع لا يزعج أحدًا ولا يقترب من الأسئلة الخطرة.
ومنذ ذلك الوقت، كانت مشاكل الصحافة المصرية واضحة أمامي كجرح مفتوح لا يلتئم، لا باعتبارها أزمة مهنة فقط، بل باعتبارها مرآة لأزمة أعمق يعيشها المجال العام كله.

لهذا تابعت باهتمام بالغ ما دار داخل لجنة الإعلام والثقافة بمجلس النواب بشأن ما سمّي “خطة تطوير الإعلام المصري”، وما تضمنته من أفكار تتعلق بتحويل المؤسسات الصحفية القومية إلى شركات مساهمة، ودمج مؤسسات عريقة مثل “دار الهلال” و”روز اليوسف” داخل مؤسسة “الجمهورية”.

ولم يكن اهتمامي هنا نابعًا من خصومة مع فكرة التطوير في ذاتها، فالعالم كله يعيد تشكيل أدواته الإعلامية، لكن لأن النقاش بدا وكأنه يتحرك حول الأعراض لا المرض، وحول الحسابات المالية لا الأزمة الحقيقية التي دفعت القارئ المصري إلى الهجرة الجماعية من الصحافة الوطنية.
ثمة فارق هائل بين الهموم المالية والإدارية للصحافة المصرية، وبين أزمتها الفنية والمهنية والفكرية.

وثمة فارق أكبر بين معالجة مؤسسة باعتبارها “شركة خاسرة”، وبين النظر إليها باعتبارها جزءًا من الوعي العام والذاكرة الوطنية وصناعة المجال الثقافي والسياسي.

فالصحافة ليست مجرد صناعة ورق أو إعلان، لكنها أيضًا رؤية للعالم، وقدرة على إنتاج المعنى، ومناخ يسمح للمبدعين بأن يعملوا دون خوف أو وصاية.

تاريخ الصحافة المصرية لم تصنعه اللجان الحكومية، بل صنعه أفراد امتلكوا الحلم والموهبة ورأس المال الوطني الحر.
هكذا فعل جورجي زيدان، الذي أسس الصحافة الثقافية الحديثة وصنع من “دار الهلال” مشروعًا للتنوير العربي، وهكذا فعل مصطفى كامل، الذي أدرك مبكرًا أن الجريدة يمكن أن تكون جبهة مقاومة وطنية، ثم جاء محمد التابعي ليحوّل المقال السياسي إلى فن قائم بذاته، بينما أسس أحمد أبو الفتح مدرسة صحفية وطنية دفعت أثمانًا باهظة دفاعًا عن الاستقلال والرأي الحر.

دعوني أقول بوضوح إن مصطفى أمين وعلي أمين كانا من أهم صنّاع الصحافة في زماننا الحديث، لا لأنهما أسسا مؤسسة ناجحة فقط، بل لأنهما فهما مبكرًا أن الصحافة مشروع حياة لا إدارة حكومية.

ومن المدرسة نفسها خرجت تجارب عديدة، بينها تجربة مصطفى شردي، وتجارب رجال صناعة ونشر وإدارة إعلامية مثل هشام قاسم وخلفه صلاح دياب في مشروع “المصري اليوم”، وكذلك تجربة إبراهيم عيسى وخلفه عصام إسماعيل فهمي في “الدستور”.

وهناك تجارب أخرى قد يختلف البعض حول نجاحها الكامل، لكنها كانت محاولات حقيقية لصناعة صحافة مستقلة، اصطدمت بتحولات سياسية واقتصادية ومزاجية عصفت بالمجتمع المصري بعد 25 يناير 2011، مثل تجربة عادل حمودة وخلفه نصيف قزمان في “الفجر”، وأسماء أخرى مثل مجدي شندي، وخالد صلاح في “اليوم السابع”، وخلفه ممدوح إسماعيل ثم أحمد أبو هشيمة.

ذلك التحالف التاريخي بين خبرة صناعة الصحافة – وهي صناعة ثقيلة ومكلفة – وبين رأس المال الوطني، كان دائمًا هو القاعدة التي صنعت الصحافة المصرية الحديثة.

لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟
الذي حدث ببساطة هو تأميم الصحافة المصرية، أولًا بعد 1952، ثم بصورة أخرى أكثر تعقيدًا بعد 2013.
جرى إرهاب رأس المال الوطني أو دفعه للتخلي عن مؤسساته، حتى تلك التي أنشئت بأموال خاصة، وتحولت مؤسسات صحفية عديدة إلى كيانات تدار بعقلية الموظف لا بروح المؤسس.
المدهش أن كثيرين يتحدثون اليوم عن التخلص من “عبء” هذه المؤسسات، دون أن يطرح أحد السؤال الطبيعي:
إذا كانت الدولة ترى أن إدارة الصحافة عبء اقتصادي وسياسي، فلماذا لا تعاد هذه المؤسسات إلى أصحابها الحقيقيين؟
ولماذا لا تدار كمشروعات صحفية مستقلة، بدل بقائها داخل هياكل مرتبطة بالأجهزة والبيروقراطيات الأمنية والإدارية؟

التجربة المصرية تبدو اليوم أكثر إيلامًا إذا ما قورنت بما جرى في صحافات أخرى حول العالم.
صحف أمريكية وأوروبية عريقة كادت تسقط اقتصاديًا، لكنها عادت للحياة عبر تحرير المحتوى لا عبر خنقه.
صحف إقليمية عربية استطاعت أن تبني نفوذًا عالميًا لأنها امتلكت مساحة حركة أوسع، ورؤية تحريرية أكثر جرأة، وقدرة على استيعاب التحول الرقمي دون قتل روح الصحافة نفسها.
أما نحن، فنتعامل مع الصحافة غالبًا باعتبارها ملفًا أمنيًا أو عبئًا ماليًا، لا باعتبارها أحد أعمدة القوة الناعمة للدولة الحديثة.
الأزمة الحقيقية ليست فقط في الديون أو الخسائر أو تراجع التوزيع، بل في غياب الحرية التي تصنع التميز.
القارئ المصري لم يهجر الصحف لأنه توقف عن القراءة، بل لأنه لم يعد يجد اختلافًا حقيقيًا بين صحيفة وأخرى.
العناوين تكاد تكون متطابقة، واللغة واحدة، والخطاب واحد، حتى بدا المشهد وكأن عشرات الصحف تصدر من غرفة تحرير واحدة، وتكتب بعقل واحد، وتراجع بخوف واحد.

المؤلم أن النقاش الرسمي انشغل بالذكاء الاصطناعي والبودكاست والمنصات الرقمية وغرف الأخبار المركزية، بينما جرى تجاهل السؤال الأخطر:
كيف يمكن لصناعة إعلامية أن تنهض في بيئة يخاف فيها الصحفي من عنوان، ويحسب الكاتب ثمن كل جملة قبل نشرها؟
أي تطوير مهني يمكن أن ينجح في ظل غياب التعددية الحقيقية، واحتكار الصوت، وضيق المجال العام؟

الصحافة لا تصنع فقط بالمال، ولا تدار فقط باللوائح، بل تصنع أولًا بالمناخ الحر.
ولهذا فإن شراء ماكينات طباعة بمئات الملايين لن يعيد القارئ، إذا بقيت الصحف عاجزة عن التعبير الحقيقي عن الناس، وإذا ظل الصحفي يشعر أن مهمته ليست البحث عن الحقيقة بل تجنب الاقتراب منها.
آلاف الصحفيين والعاملين داخل المؤسسات القومية ليسوا هم المشكلة، بل هم أول ضحاياها.
أجيال كاملة دخلت المهنة بحلم كبير، ثم وجدت نفسها داخل هياكل متخشبة، وفرص ترقي محدودة، ومساحات إبداع تضيق عامًا بعد آخر.
ولهذا فإن أي مشروع إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ بحماية الإنسان الصحفي، لا باعتباره رقمًا في كشف العمالة الزائدة، بل باعتباره جوهر العملية الإعلامية كلها.
الصحافة المصرية لا تحتاج فقط إلى إعادة هيكلة مالية، بل إلى استعادة روحها التي ضاعت وسط الخوف والتكرار والتأميم المقنع.
وحين تستعيد الصحافة حريتها، ستستعيد جمهورها، وستتحول المؤسسات من عبء على الدولة إلى قوة حقيقية للمجتمع والدولة معًا.

وربما يكون السؤال الأكثر خطورة اليوم:

هل تريد السلطة صحافة حقيقية بالفعل؟
أم تريد فقط مؤسسات أقل خسارة وأكثر طاعة؟
الفارق بين السؤالين هو الفارق بين دولة تثق في شعبها، ودولة تخشى الكلمة أكثر مما تخشى التراجع نفسه.
تبدو الحاجة ملحّة إلى رؤية جديدة، لا تكتفي بترميم الجدران القديمة، بل تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والصحافة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الإعلام والمجتمع.

  1. إصدار تشريع جديد يضمن الاستقلال الكامل للمؤسسات الصحفية والإعلامية عن أي هيمنة أمنية أو تنفيذية، مع إعادة الاعتبار لدور الجمعيات العمومية والنقابات المهنية.
  2. فتح المجال العام أمام التعددية الحقيقية، والسماح بقيام مدارس صحفية مختلفة فكريًا وسياسيًا، لأن التنوع وحده يعيد الثقة للقارئ.
  3. إعادة هيكلة المؤسسات القومية عبر نماذج ملكية مستقلة تشارك فيها النقابات والعاملون والقطاع الخاص الوطني، بدل بقائها عبئًا بيروقراطيًا تابعًا للدولة.
  4. وقف سياسة الاحتكار الإعلامي المباشر وغير المباشر، لأن الاحتكار يقتل المنافسة، والمنافسة وحدها تصنع الجودة.
  5. إطلاق مشروع وطني لتدريب الصحفيين على أدوات الإعلام الرقمي الحديثة، دون تحويل التكنولوجيا إلى بديل عن الحرية والإبداع البشري.
  6. إعادة الاعتبار للصحافة الثقافية والفكرية والاستقصائية، بعد سنوات طويلة من إفقار المحتوى وتحويله إلى نشرات متشابهة فاقدة للروح.
  7. تحرير سوق الإعلان الحكومي وإخضاعه لقواعد شفافة وعادلة، حتى لا يبقى أداة للعقاب السياسي أو المكافأة السياسية.
  8. إعادة النظر في أوضاع الصحفيين المؤقتين والشباب، وفتح أبواب التعيين والترقي على أساس الكفاءة وحدها، لا على أساس الولاء أو الصمت.
  9. استعادة مفهوم “الصحافة الوطنية” باعتباره دفاعًا عن المجتمع وحقوق الناس، لا مجرد ترديد للرواية الرسمية.
  10. الاعتراف أخيرًا بأن حرية الصحافة ليست خطرًا على الدولة، بل أحد شروط بقائها قوية ومحترمة وقادرة على مواجهة المستقبل.
المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى