
في مطارٍ دولي، أو في ردهة مؤتمر، أو حتى في مقهى عابر على أرصفة أوروبا، يتكرر المشهد نفسه.صوتٌ يخترق ضجيج المكان بابتسامة وسؤال بسيط: “من أين أنت؟”.
في تلك اللحظة، وبينما تتردد الكلمة على شفتيّ، يخالجني شعورٌ فريد لا يشبهه شيء. استعد لرؤية رد الفعل الذي أعرفه مسبقاً، أتأنى قليلاً كمن يُطلق بالوناً ملوناً في سماء صافية، ثم أقولها بثقة: “مصر”.
لا أكاد أتمتم بحروفها الثلاثة حتى يتبدل وجه محدثي.
إنها النظرة التي لا يمكن وصفها، نظرة يمتزج فيها الاحترام بالدهشة، وكأنني ذكرتُ للتو اسم أسطورةٍ قديمة تحولت فجأة إلى حقيقة.
إنه ليس مجرد فضول شخص، بل هو وميضٌ من التقدير العميق لمخزونٍ تاريخي وثقافي هائل، مختزن في كلمة واحدة “مصر”.
إنه الفخر الذي يغمرني، ليس فخراً مفتعلاً أو صاخباً، بل هو ذلك الشعور الهادئ الذي يتسلل إلى القلب حين ترى العالم يرفع قبعته احتراماً لهويتك.
أنا لا أقف وحدي في تلك اللحظة أقف ومعي سبعة آلاف عام من الحضارة، أقف على أكتاف الفراعنة الذين علموا البشرية معنى الخلود، وأحمل طيبة شعبٍ لا يزال يحتفظ بسحره رغم تعاقب العصور.
أما الذي زار مصر، فلا يتحدث عنها كبلد، بل كحالة عشق. يتذكر شروق الشمس فوق معبد الكرنك، أو ضوء القمر وهو يتسلل بين أوتار الربابة في الأقصر.
يبتسم حين يصف “الشعب الطيب”، ذاك الذي سقاه الشاي بالحليب وهو غريب، والذي أصر على أن يشاركه طبق الفول في شارع المعز.
يحدثك عن فوضى القاهرة العجيبة التي تتحول في عينيه إلى سيمفونية من الحياة، وعن سحر الصحراء الذي يشعره بهشاشة الإنسان وعظمة الكون في آنٍ واحد.
يقولها بنبرة الواثق المجرب “بلد رائعة وشعب طيب”، وكأنه يسرّ لك بخلاصة حكمته.
وأما الذي لم تتح له الفرصة بعد، فإن عينيه لا تعكسان الحسد، بل حلماً شفيفاً.
يخفض صوته قليلاً ثم يهمس “أحلم بزيارة مصر”.
كلماته ليست مجرد لطف اجتماعي، بل هي اعتراف بأن هناك شيئاً ناقصاً في قائمة رحلات حياته، بنداً مؤجلاً لكنه ضروري.
يراك وأنت تتحدث في الهاتف بالعربية وبلكنتك المصرية، فيتخيلك وريثاً لسر الفراعنة، حارساً لقصص لم تقرأها البشرية كلها بعد.
في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتلاشى فيه الحدود، تظل هناك شعوب قليلة تخلق حولها هالة من السحر.
وحين تسألني عن موطني، فأنا لا أمنحك اسماً جغرافياً فحسب، بل أهديك مفتاحاً لحكاية لم تنتهِ.
شعوري حينها لا يقاس بالكلمات، إنه فخرٌ ناعم كنسيم النيل، وعميقٌ كجذور التاريخ التي ترسو عليها هذه الأرض.
بين كل أجنبي يندهش، وبين كل حالمٍ لم يرَ النيل بعد، أقف أنا المصري، ممتناً لهذا الإرث الذي وضعته الأقدار على كتفي، ومدركاً أنني حين أقول “مصر”، فإنني أختصر معنى الحضارة في حروف.







