من ذاكرة التاريخ.. عبدالرزاق السنهوري “حارس القانون” ومصمم دساتير الأمة

نعود بذاكرتنا إلى الوراء لنتأمل سيرة قامة قانونية شامخة، لم تكن مجرد عابر سبيل في أروقة المحاكم، بل كانت المهندس الذي صاغ العقل القانوني العربي الحديث. إنه الدكتور عبدالرزاق السنهوري (1895 – 1971)، الملقب بـ “حارس القانون” وعملاق الأحكام المدنية، الذي استطاع بعبقريته الفذة أن يمزج بين رصانة الفقه الإسلامي ومرونة القوانين الوضعية الحديثة، ليخرج لنا “القانون المدني المصري” الذي صار مرجعاً لأغلب الدول العربية.
من اليتم إلى قمة الهرم القانوني العالمي
وُلد السنهوري في مدينة الإسكندرية عام 1895، ونشأ يتيماً في كنف أسرة رقيقة الحال، لكن هذا اليتم كان وقوداً لإرادة لم تعرف الانكسار. تفوق في دراسته حتى نال الإجازة في الحقوق عام 1917 وكان الأول على دفعته. وفي فرنسا، لم يكتفِ بنيل شهادة الدكتوراه، بل أبهر أساتذته الكبار مثل “إدوارد لامبير” بقدرته على تقديم وجهة نظر شرقية إسلامية بأسلوب أكاديمي عالمي، خاصة في أطروحته الخالدة “فقه الخلافة”، التي تنبأ فيها بضرورة قيام اتحاد شرقي (أشبه بمنظمة أممية) يجمع الدول الإسلامية.
مؤسس الدساتير وصانع “عقد النور”
لم يكن السنهوري فقيهاً نظرياً فحسب، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع. ساهم بجهد تطوعي في صياغة القوانين المدنية لـ مصر، والعراق، وسوريا، وليبيا، والكويت، والإمارات، رافضاً في كثير من الأحيان تقاضي أي أجر عن هذه الأعمال الجليلة. ومع قيام ثورة 1952، كان هو من صاغ المبادئ الستة للثورة التي أطلق عليها “عقد النور”، كما شارك في صياغة وثيقة تنازل الملك فاروق عن العرش وقانون الإصلاح الزراعي، إيماناً منه بضرورة الانتقال إلى عهد جديد من العدالة الاجتماعية.
الصدام مع السلطة.. ثمن المبادئ الدستورية
تجسد شموخ السنهوري في موقفه التاريخي عام 1954، حينما انحاز للمطالب الدستورية بضرورة عودة الجيش لثكناته واختيار رئيس منتخب وحل مجلس قيادة الثورة. هذا الموقف كلفه الكثير؛ حيث تعرض للاعتداء الجسدي داخل مكتبه بمجلس الدولة، وأُقيل من منصبه، وفُرضت عليه عزلة إجبارية في منزله استمرت لسنوات طويلة. ورغم هذه العزلة، ظل قلمه سيالاً، فأنجز أعظم موسوعة قانونية عربية وهي “الوسيط في شرح القانون المدني” في عشرة أجزاء، والتي لا يزال المحامون والقضاة ينهلون منها حتى اليوم.
رحيل “الوسيط” وبقاء المنهج
غادر السنهوري دنيانا في 21 يوليو 1971، لكنه لم يرحل حقاً؛ فكل قاعة محكمة في الوطن العربي تنطق بقوانينه، وكل مادة دستورية تحمي حريات الشعوب تحمل بين طياتها أنفاسه الإصلاحية. سيظل السنهوري رمزاً للفنان القانوني الذي آمن بأن الشريعة الإسلامية هي شريعة حية، قادرة على حكم العصور الحديثة إذا أُحسن فهمها وتطوير أدواتها، وهو ما نجح فيه بامتياز، ليصبح بحق “فقيه الأمة” ومعلم أجيال القانونيين.





