حقوق وحرياتملفات وتقارير

راشد الغنوشي – المشروع الفكري لشيخ النهضة وتحديات الاجتهاد الإسلامي المعاصر

ورقة فكرية – تأصيلية

مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية

سلسلة أوراق رموز الفكر والحرية – يونيو 2025

حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية

24 يونيو 2025

مقدمة مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية

“مهما اختلفت مع الرجل، فلا تجد أمامك إلا أن تحترمه وتقدّر تجربته.”

بهذه الكلمات يمكن أن يُفتتح الحديث عن راشد الغنوشي؛ ذاك المفكر الإسلامي، والسياسي المُحنّك، والمجتهد الذي أفنى عمره في ساحات الفكر والنضال والدعوة والعمل العام، وها هو اليوم، في عامه الرابع والثمانين، يستقبل عيد ميلاده في زنزانة ضيقة، بينما فكره ما زال رحبًا، ممتدًا، متجددًا.

لم يكن الغنوشي مجرد زعيم حزب، بل كان من أهم بناة التجديد في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، وأحد القلائل الذين خاضوا تجربة الفكرة والممارسة معًا، بين ظلمات السجون، ومنافي الغربة، وساحات البرلمان، وتحديات الحكم. وهو ما جعله محط جدل، ومحل تقدير، وهدفًا للخصوم في آنٍ معًا.

تأتي هذه الورقة لتعيد قراءة سيرة الغنوشي من زاويتين متكاملتين:

من جهة، كمفكر قدّم واحدًا من أكثر المشاريع اجتهادًا في التوفيق بين الإسلام والديمقراطية، وبلورة تصور إسلامي للحكم يوازن بين النص والواقع، وبين الشريعة والحرية.

ومن جهة أخرى، كرمز سياسي ناضل لعقود من أجل حرية بلاده وشعبه، ووقف ضد الاستبداد، ثم دفع ثمن ذلك مطاردًا ومنفيًا ومسجونًا.

وفي لحظة يتقاطع فيها القمع مع الصمت، والاستبداد مع التواطؤ، تتحول محنة الغنوشي إلى محكّ للضمير العربي والإسلامي، وإلى اختبار جديد: هل لا يزال فينا من يُجِلّ الفكر الحر؟ ويقف مع المبدأ… ولو اختلف مع صاحبه؟

تمهيد

في لحظة عربية مأزومة تتعاظم فيها النكسة السياسية، ويُحاصر فيها الفكر المعتدل من الاستبداد تارة ومن الغلو تارة أخرى، يبرز اسم راشد الغنوشي لا كمجرد سياسي معتقل أو زعيم حزب معارض، بل كمفكر إسلامي أسهم لعقود في بناء خطاب اجتهادي معاصر يحاول وصل ما انقطع بين الأصالة الإسلامية ومتطلبات الواقع.

ثمانون عامًا من الفكر والنضال قضاها الغنوشي بين المنفى والسجن والحكم، كاشفًا عن قدرة نادرة على الجمع بين النظرية والممارسة، بين العمل الحركي والاجتهاد الفقهي، وبين الرؤية الحضارية والانخراط في التحديات اليومية.

في هذه الورقة، نحاول استجلاء ملامح المشروع الفكري لهذا المفكر المجتهد، وإبراز إسهاماته في تطوير الفكر الإسلامي المعاصر، من بوابة فقه الحريات والشورى والديمقراطية، وصولًا إلى رؤيته لمستقبل الدولة والمجتمع في العالم العربي والإسلامي، مع محاولة تقييم موقعه بين رموز الاجتهاد الإسلامي الحديث.

المحور الأول: ملامح المشروع الفكري لراشد الغنوشي – بين فقه الدعوة والسياسة والفكر الحضاري

يتميّز المشروع الفكري لراشد الغنوشي بتعدّدية المصادر المرجعية، وعمق الوعي بالواقع، وسعة الأفق في التعامل مع التراث الإسلامي والحداثة الغربية على السواء. لم يكن الغنوشي مجرد داعية تقليدي يكرر مقولات محفوظة، بل كان صاحب اجتهاد أصيل، حاول من خلاله أن يعيد تعريف دور الإسلام في الحياة العامة، وأن ينحت لنفسه موقعًا فكريًا بين دعاة التجديد والمصلحين السياسيين في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.

وقد ارتكز مشروعه على ثلاث دعائم رئيسية:

1. فقه الحريات والشورى والديمقراطية

راهن الغنوشي مبكرًا على فكرة التحرر السياسي كمدخل لتحرير الأمة، وجعل من الحرية أصلًا فقهيًا مقاصديًا، لا مجرد وسيلة. في كتابه “الحريات العامة في الدولة الإسلامية” قدم محاولة تأسيسية لربط فقه الشورى بالديمقراطية المعاصرة، مؤكدًا أن الأمة هي صاحبة السلطة، وأن الإسلام لا يناقض التعددية السياسية، بل يؤسس لها انطلاقًا من قيم العدل والتناصح والتداول.

رفض الغنوشي احتكار الحقيقة باسم الدين، وناهض فكرة “الدولة العقائدية” التي تُقصي المختلف، وسعى إلى بناء دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية، تُحتكم فيها السياسات إلى إرادة الأمة، ويُصان فيها حق المعارضة، ويُحترم فيها التعدد.

2. المصالحة بين الإسلام والحداثة

لم يقع الغنوشي في فخ القطيعة مع الغرب، لكنه في الوقت ذاته لم يسقط في التغريب. سعى إلى تفكيك الحداثة الغربية نقديًا، مع الحفاظ على مكتسباتها الإنسانية الأساسية. حاول أن يعيد توطين مفاهيم مثل: المواطنة، الحريات، حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، ضمن أطر مرجعية إسلامية مقاصدية، دون تعارض أو تناقض، بل بإبراز الرؤية الإسلامية بوصفها شاملة وأعمق جذورًا في بناء الكرامة.

في كتاباته، تظهر نزعة حضارية إحيائية، تؤمن بأن الإسلام مشروع لبناء إنسان حر ومجتمع عادل، وأن المعركة الحضارية الأساسية ليست بين الإسلام والغرب، بل بين الاستبداد والحرية، وبين التخلف والنهضة.

3. الدمج بين الدعوي والسياسي والحضاري

كانت إحدى سمات الغنوشي المركزية هي محاولته الجمع بين المنهج الحركي الدعوي، والاجتهاد الفقهي، والفكر السياسي والفلسفي. فلم يكن فكره نخبويًا معزولًا عن الواقع، بل مرتبطًا بالسياق التونسي والعربي، ومشاركًا في تشكيل البدائل الواقعية، من خلال حركة النهضة، وتجربة الانتقال الديمقراطي بعد الثورة.

فهم الغنوشي أن المشروع الإسلامي لا يُبنى بالخطب والمقولات المجردة، بل بالممارسة والنموذج، ولهذا خاض غمار السياسة، وشارك في الحكم، وتحمّل تبعات ذلك، رغم كثرة الانتقادات التي وُجهت إليه من داخل التيار الإسلامي نفسه.

المحور الثاني: راشد الغنوشي بين كبار المفكرين الإسلاميين المعاصرين – موقعه ومميزاته المقارنة

يُعدّ راشد الغنوشي واحدًا من أبرز وجوه الفكر الإسلامي في النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، ومن أكثرهم تأثيرًا على مستوى التفاعل السياسي والفكري مع قضايا الحداثة، والديمقراطية، والدولة، والحريات. ورغم ما تعرض له من سجن ونفي وتشويه، فقد احتفظ بموقعه كجسر معرفي بين أجيال التيار الإسلامي وبين تيارات الفكر الإنساني الحديث.

وفي هذا السياق، يمكن استعراض موقعه الفكري من خلال المقارنة بغيره من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، وبيان ما ميّزه عنهم:

1. بين المودودي وسيد قطب… والغنوشي

كان المودودي مؤسسًا لرؤية إسلامية جامعة جمعت بين الفكر والتنظيم، وقدم مفهوم “الحاكمية” كمرجعية عليا. بينما ذهب سيد قطب في اتجاه أكثر راديكالية بعد خوضه تجربة السجن، فأسس خطابًا تعبويًا ثوريًا يقوم على مفاصلة شاملة مع “الجاهلية المعاصرة”.

أما الغنوشي، فتمرد مبكرًا على هذا النسق، وسعى إلى تأصيل فكري للتعددية والانفتاح السياسي، مؤمنًا بأن “الحرية قبل الشريعة”، وأن التغيير لا يتم عبر الانقلاب الثوري فقط، بل أيضًا عبر التراكم، والمراكمة، والتحالفات، والتدرج في الإصلاح.

2. بين الترابي والقرضاوي… والغنوشي

اشتهر حسن الترابي بجرأته الفكرية وخرقه للمألوف، لكنه غرق أحيانًا في التجريب السياسي على حساب الاستقرار، ما أفقد مشروعه التماسك. في المقابل، تميّز القرضاوي بكونه “فقه الحاضر” وصوت الاعتدال الشرعي، لكن تجربته السياسية لم تُختبر.

أما الغنوشي فجمع بين العمق الفقهي والتوازن السياسي، متحررًا من الجمود، دون الوقوع في المغامرة. وهو ما جعله أحد أعمدة الفكر الوسطي، وأحد أبرز من حاولوا الجمع بين فقه الشريعة ومتطلبات الدولة الحديثة.

3. مدرسة الوسطية الإصلاحية… موقع الغنوشي المركزي

يقع الغنوشي في صلب مدرسة الوسطية الإسلامية، التي أسسها جمال الدين الأفغاني، وطورها محمد عبده، ونهض بها لاحقًا علماء ومفكرون مثل محمد رشيد رضا، ومحمد الغزالي، ومحمد سليم العوا، وطارق البشري. لكنه أضاف إلى هذه المدرسة بُعدًا سياسيًا عمليًا، وتجربة حكم حقيقية، جعلته من أكثرهم تماسًا مع إشكالات الدولة الحديثة والتداول السلمي والشراكة السياسية.

وكان له السبق في الربط بين المشروع الإسلامي والمجال السياسي الديمقراطي، وأعاد إنتاج الخطاب الإسلامي في صيغة تُمكّنه من الاشتباك الحضاري لا الانعزال أو الانكفاء.

المحور الثالث: مأزق الاعتدال الإسلامي واعتقال الغنوشي… دلالات اللحظة وواجب المرحلة

اعتقال الشيخ راشد الغنوشي في أبريل 2023، وهو على مشارف الثمانين، لم يكن حدثًا قضائيًا عادياً أو مجرد خطوة سياسية ظرفية، بل حمل أبعادًا رمزية عميقة تُبرز المأزق الذي يواجهه التيار الإسلامي، وتسلّط الضوء على حجم التراجع في مسارات الحريات والتعددية في المنطقة، بعد أكثر من عقد على انطلاق الربيع العربي.

1. اعتقال الاعتدال… لا الرجل فقط

لم يكن الغنوشي زعيمًا لحزب سياسي فحسب، بل كان عنوانًا متقدّمًا لـ”الاعتدال الإسلامي” ومحاولة تحويله من مجرد خطاب نخبوي إلى مشروع سياسي قابل للتطبيق في الدولة الحديثة. وقد مثّل رهانًا على إمكانية التعايش بين الإسلام والديمقراطية، بين الهوية والانفتاح، وبين العقيدة والحرية.

واعتقاله بهذا الشكل الفجّ يعكس استهدافًا صريحًا لهذا الخطاب، وتصفية سياسية للمدرسة الوسطية التي كان يُمثّلها، تمهيدًا لتكريس الانقلابات والتسلط باسم محاربة “الإسلام السياسي”.

2. خيبة الثورة… وهشاشة الضمانات

لقد عايش الغنوشي الثورة التونسية منذ لحظاتها الأولى، وكان من أوائل العائدين إلى بلاده بعد سقوط بن علي. وشارك في الانتقال السياسي بقدر كبير من ضبط النفس، بل قدّم تنازلات حادة حفاظًا على السلم الأهلي، وأدار التحالفات السياسية في مرحلة شديدة الحساسية.

لكن نهاية المسار كانت مفجعة: عودة الاستبداد، وسجن أبرز رموزه، في مشهد يعكس هشاشة الضمانات الديمقراطية في بيئات لا تزال الدولة العميقة فيها أقوى من أصوات الشعوب وصناديق الاقتراع.

3. الغنوشي بين الشيخ الأزهري والمفكر المقاوم

لم يكن الغنوشي زعيمًا حزبيًا فقط، بل كان صاحب رؤية إصلاحية حضارية، تحاور مع الفكر الغربي، واستلهم من تراث المسلمين ما يعين على تجاوز لحظة الانسداد. وبينما كان بعض الإسلاميين يقدّسون الشكل أو يقفون عند القشور، كان الغنوشي يُنظّر لفقه المآلات والموازنات والسياسات، ويحفر في عمق المفاهيم لتجديدها: كالدولة، الأمة، المواطنة، الحريات، التعددية.

فهو في الوقت نفسه، شيخ أزهري الجذور، ومفكر مقاوم، وصاحب رؤية سياسية لم تَسْتَنسِخ، بل طوّرت واستوعبت لحظة العالم.

4. واجب المرحلة: من تضامن عابر إلى مشروع استنهاض

إن الغنوشي اليوم لا يحتاج فقط إلى حملة تضامن مع شخصه، بل إلى تحويل قضيته إلى عنوان نضال من أجل حرية الفكر، وعدالة التحول الديمقراطي، وكرامة الشعوب. فهو لا يُمثّل تونس وحدها، بل يمثل التيار الإسلامي المعتدل الذي يسعى ليكون شريكًا في أوطان حرة.

ومن هنا، فإن واجب الحركات الإسلامية والفكرية والنقابات والمثقفين أن يُدركوا دلالة لحظة اعتقاله، وأن يقاوموا محاولات تشويه الاعتدال وسحق المسار السياسي السلمي.

المحور الرابع: أصداء اعتقال الغنوشي عربيًا ودوليًا… ومعركة الوعي والحرية

لم يكن اعتقال راشد الغنوشي حدثًا تونسيًا محليًا فحسب، بل شكّل صدمةً إقليميةً ودوليةً لكونه استهدف رمزًا فكريًا وسياسيًا بارزًا يُعدّ من آخر القادة الكبار في مدرسة “الإسلام السياسي الديمقراطي”. ولهذا، فإن تفاعلات الحدث وتداعياته كشفت عن معارك أوسع تتعلق بطبيعة النظام الإقليمي، وحدود الحريات، ومصير التيارات الفكرية التي تمثل الاعتدال والوسطية.

1. الصمت الرسمي… والانحياز إلى القمع

غابت الإدانة الرسمية العربية بشكل شبه كامل، بل إن بعض الأنظمة اعتبرت الاعتقال انتصارًا على ما تصفه بـ”الإسلام السياسي”، في سياق صراعها الطويل مع كل ما يمت للثورات بصلة. وقد عبّرت ردود الأفعال تلك عن اصطفاف إقليمي ضد التعددية، وضد تجذير الشراكة الإسلامية في المجال السياسي.

هذا الصمت لا يعكس فقط ازدواجية في الموقف من الحريات، بل يكشف خوفًا متجذرًا من رموز إسلامية تُجيد الجمع بين الفكر والممارسة، وبين الدعوة والدولة، وبين الشرعية والمشاركة.

2. المواقف الدولية… قلق حقوقي بلا ضغوط سياسية

أصدرت منظمات دولية كبرى مثل “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية” و”مراسلون بلا حدود” بيانات تدين اعتقال الغنوشي، وتصف التهم الموجهة إليه بأنها ذات طابع سياسي بحت. كما أعرب عدد من البرلمانيين الأوروبيين عن قلقهم من انهيار الديمقراطية في تونس.

لكن هذا القلق ظلّ محصورًا في نطاق حقوقي دون ترجمة إلى مواقف سياسية ضاغطة على النظام التونسي، وهو ما يعكس ازدواجية الغرب في التعامل مع ملف الحريات، خاصة إذا كان المعتقل إسلاميًا أو يمثل التيارات الإسلامية التي تتحدى النموذج الغربي المهيمن.

3. النخبة الفكرية والمثقفون… معركة الوعي لم تنتهِ

أثارت محنة الغنوشي نقاشًا واسعًا في أوساط المفكرين العرب، بين من رأى في اعتقاله محاولة لاغتيال الاعتدال، وبين من اعتبر أن التجربة السياسية الإسلامية تعاني من فشل بنيوي. لكن، وعلى الرغم من هذا التباين، فإن الاتفاق العام على خطورة المسار الاستبدادي الذي تمثله هذه الواقعة بات محوريًا في السجال الفكري.

إن معركة راشد الغنوشي لم تعد معركة فرد أو حزب، بل تحولت إلى رمز لمعركة الحرية في وجه الردة السياسية الشاملة، ومعركة الوعي في مواجهة التشويه الممنهج للمدرسة الإسلامية التجديدية.

المحور الخامس: المشروع الفكري لراشد الغنوشي… سماته الكبرى وإسهاماته الاستثنائية

لا يمكن قراءة تجربة راشد الغنوشي باعتباره فقيهًا أو سياسيًا أو مفكرًا فقط، إذ تتجاوز تجربته هذا التصنيف الثلاثي إلى بناء مشروع فكري متكامل، ينطلق من روح الإسلام، ويستوعب متغيرات العصر، ويجتهد في التفاعل مع إشكاليات الدولة الحديثة، ومعضلات الديمقراطية، وحدود العلاقة بين الدين والسياسة، دون تفريط في الأصالة أو جمود على التقليد.

1. التجديد المقاصدي في الفكر السياسي الإسلامي

استطاع الغنوشي أن يقدّم أحد أعمق اجتهادات الفكر الإسلامي المعاصر في التعامل مع مفهوم الدولة والحكم، من خلال مقاربة قائمة على مقاصد الشريعة، لا على الحرفيات الفقهية أو المقولات التاريخية. وتبلور ذلك في أطروحته الكبرى حول “الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية”، وهي صيغة فكرية مبدعة تتجاوز ثنائية الدولة الدينية – الدولة العلمانية، لتؤسس لفكرة الدولة الخادمة للمجتمع، والمحققة للكرامة والحرية والعدالة، دون وصاية دينية، ولا قطيعة مع القيم.

2. الدفاع عن الديمقراطية كقيمة إسلامية

على خلاف تيارات كثيرة داخل الحركات الإسلامية، لم يتعامل الغنوشي مع الديمقراطية كـ”وسيلة” فقط، بل قدّم تأصيلاً عميقًا لها كجزء من فقه الشورى المعاصر، ورأى فيها آلية راشدة لضبط السلطة وتداولها، وصون الحقوق والواجبات. واعتبر أن الديمقراطية ليست بدعة غربية مرفوضة، بل صيغة عقلانية تقترب من روح الإسلام في الحكم الراشد، شريطة أن تُدمج ضمن نسق حضاري يحترم الهوية والمرجعية الإسلامية.

3. نظرية “المجتمع أولًا” مقابل الدولة المتغوّلة

في أطروحاته حول المجتمع والدولة، أعاد الغنوشي الاعتبار لفكرة المجتمع الحي كمصدر للشرعية، وكمستودع للدين، ومجال فاعل للتغيير. ورفض تغوّل الدولة، سواء أكانت دينية أم علمانية. وشكّل هذا التوجه نقيضًا لفكر “الدولة العقائدية” التي تسطو على الدين، أو “الدولة القومية” التي تقصي الإسلام من المجال العام.

4. التوازن بين الثوابت والمصالح في فقه المواقف

امتاز فكر الغنوشي بقدرته على تحقيق التوازن الدقيق بين الثوابت الدينية والمصالح السياسية. فقد سعى لتقديم نموذج ناضج في فقه المواقف، يميّز بين التنازل عن المبادئ والتدرج في تطبيقها، وبين الانحناء للعاصفة والانخراط في موازين القوى، وبين المواقف المبدئية والحسابات المرحلية، وهو ما جعله مثيرًا للجدل دائمًا… لكنه ظل واقعيًا وملتزمًا بثوابت المشروع الإسلامي.

5. موقع الغنوشي بين مفكري الإسلام المعاصر

يمكن القول دون تردد إن راشد الغنوشي يحتل مكانة متقدمة بين أبرز مفكري الإسلام السياسي المعاصر، إلى جانب الكواكبي، ومالك بن نبي، ومحمد الغزالي، وفتحي يكن، ومحمد عمارة، وحسن الترابي. لكن ما يميز الغنوشي هو أنه جمع بين التنظير والممارسة، وبين الحضور السياسي المباشر، والتأصيل الفكري العميق، وبين الدفاع عن الحريات، والانتماء الأصيل إلى المشروع الإسلامي.

المحور السادس: راشد الغنوشي في مواجهة الاستبداد… لماذا يخشاه خصوم الحرية؟

ليست قضية راشد الغنوشي مجرد خلاف سياسي، أو صراع على السلطة بين معسكرين في تونس، بل هي في عمقها مواجهة ممتدة بين مدرسة فكرية إصلاحية ناضجة، ورغبة سلطوية قديمة في إقصاء كل صوت حرّ يمتلك شرعية فكرية أو جماهيرية. فالغنوشي لم يكن يومًا رجل صراع دموي، ولا محرضًا على الانقلاب، بل كان دائمًا داعية للحوار، ومبشرًا بالتوافق، وحريصًا على بناء شراكات وطنية.

1. اعتقال ما بعد الثورة: تصفية لا محاكمة

جاء اعتقاله في أعقاب انقلاب يوليو 2021، في لحظة كانت تونس فيها تمر بتحول جذري من مسار ديمقراطي هش، إلى حكم فردي مستبد. وتم الزجّ بالغنوشي في السجن في قضايا ملفقة، دون محاكمة عادلة، وضمن حملة ممنهجة على كل رموز الثورة والتعددية، في محاولة لإنهاء ما تبقى من ربيع عربي في مهده الوحيد الذي صمد.

2. الغنوشي كرمز سياسي جامع ومخيف

كان الغنوشي دائمًا أكثر من مجرد رئيس حزب، بل رمزًا لفكر إسلامي معتدل قادر على المنافسة الديمقراطية. وهذا ما أخاف خصومه: فهو يجمع بين العمق الفكري، والامتداد الشعبي، والشرعية الانتخابية. ولم يكن مطلوبًا فقط إخراجه من المشهد، بل تشويهه وكسر صورته الرمزية أمام الأجيال الجديدة.

3. موقفه من الاستبداد: الشجاعة في لحظة الخوف

حتى بعد اعتقاله، لم يتنازل الغنوشي عن خطابه المبدئي، بل رفض الاعتذار عن فكره، أو التنازل عن حق الشعب التونسي في الحرية والكرامة. كان صوته من داخل السجن استمرارًا لصوته في المعارضة، متماسكًا، مؤمنًا، وهادئًا، يرفض العنف، ويدعو إلى الحوار.

4. مدرسة فكرية لا تنكسر بالاعتقال

خطورة الغنوشي على الأنظمة المستبدة لا تأتي من سلاح أو تمويل، بل من قوة الفكرة، ومتانة المدرسة التي بناها. ولذلك فإن اعتقاله لا يُسكت مدرسته، ولا يلغي امتدادها في الفكر الإسلامي المعاصر. إنه أحد القلائل الذين يُعتقلون فتتوسع أفكارهم، ويُغيّبون فيشتد حضورهم الرمزي.

المحور السابع: ما الذي تمثله قضية الغنوشي اليوم؟ الواجب الأخلاقي والفكري والسياسي

إن قضية راشد الغنوشي لم تعد قضية محلية، ولا شأناً حزبياً تونسياً داخلياً، بل باتت تمثل اليوم اختبارًا أخلاقيًا وفكريًا وسياسيًا لمجمل التيار الإسلامي، ولكل دعاة الحرية والإصلاح في العالم العربي والإسلامي.

1. الغنوشي ليس فردًا… بل مشروع ومسار

الحديث عن راشد الغنوشي هو في جوهره حديث عن جيل من المفكرين الإسلاميين الذين خاضوا معركة إعادة بناء الفكر السياسي الإسلامي على أسس الحرية والتعددية والشراكة الوطنية، في زمنٍ كانت فيه الساحة تعجّ إما بالمقولات الانقلابية أو بالعزلة الفكرية عن الواقع.

إن اعتقال الغنوشي هو محاولة لضرب هذا المسار بكامله، وتحطيم الفكرة القائلة بإمكانية توافق الإسلام والديمقراطية، وبناء دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية تستوعب الجميع ولا تقصي أحدًا.

2. الواجب الأخلاقي: كسر جدار الصمت

واجب المفكرين والنخب اليوم هو الانتصار للحرية قبل الأشخاص، وللفكرة التي يمثلها الغنوشي قبل موقعه السياسي. السكوت عن سجنه يعني شرعنة قمع كل مفكر حر، وفتح الباب لاستكمال مسيرة الاستبداد تحت ستار محاربة الإرهاب أو تصفية الخصوم.

المطلوب هو أن تتحول قضيته إلى قضية رأي عام إسلامي وعربي ودولي، لا تقل رمزية عن أي رمز نضالي عالمي، من نيلسون مانديلا إلى محمد مرسي.

3. الواجب السياسي: الدفاع عن التعددية ورفض العسكرة

الانقلاب على الحريات الذي يجري في تونس، بدعم إقليمي مكشوف، يستهدف إعادة تعريف الدولة باعتبارها ملكًا للفرد المستبد، لا للشعب صاحب السيادة. ومن هنا فإن الدفاع عن الغنوشي هو دفاع عن كل مظلوم ومقصي، وعن روح الربيع العربي الذي لا يزال حياً في ضمير الشعوب.

4. التوصيات

تشكيل جبهة حقوقية وفكرية عالمية للمطالبة بالإفراج الفوري عن راشد الغنوشي.

إعادة نشر مدرسته الفكرية وكتبه، خاصة في أوساط الشباب والجامعات ومراكز الفكر.

تحويل ذكرى ميلاده الرمزية في المعتقل إلى يوم عالمي للحرية والتعددية في الفكر الإسلامي.

دعوة الحركات الإسلامية إلى المراجعة الذاتية العميقة التي طالما دعا إليها الغنوشي، في مسارات الفكر والتنظيم والحكم.

خاتمة

إن استمرار اعتقال الشيخ راشد الغنوشي، في عامه الرابع والثمانين، ليس فقط ظلمًا سياسيًا فجًّا، بل إهانة لعقل الأمة وذاكرتها وتاريخها المعاصر. فالرجل لم يكن يومًا داعية عنف، ولا محرضًا على فتنة، بل كان أحد أهدأ العقول وأكثرها نضجًا في فضاء الفكر الإسلامي المعاصر، وواحدًا من أبرز دعاة التوفيق بين الإسلام والديمقراطية، وبين الشرعية الدينية والشرعية الشعبية.

لقد دفع الغنوشي ثمن اجتهاده وتجرّده واستقلاله الفكري، حين اختار أن يظل وفيًّا لنهج الحوار والسلمية، وأن يخوض معركة الحرية من داخل قواعد السياسة الشرعية والعقلانية السياسية. واليوم، يُسجن لا لأنه أخطأ، بل لأنه اجتهد، ولا لأنه أفسد، بل لأنه مثّل الضمير الديمقراطي الحي في مواجهة الانقلاب والاستبداد.

وعليه، فإننا ندين بشدة اعتقاله الظالم، ونعتبر استمراره في السجن وصمة عار على جبين كل من يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان أو الانتقال الديمقراطي أو سيادة القانون.

وندعو كل القوى الحية في الأمة: من علماء ومفكرين ونخب وناشطين ومؤسسات دولية، إلى موقف تضامني صريح وعاجل، يرفع الصوت عاليًا: “أفرجوا عن راشد الغنوشي، فلا يليق بمثله أن يبقى ساعة واحدة في المعتقل.”

فحريته ليست فقط حرية فرد، بل عنوان لكرامة أمة ومصداقية مشروع، ومستقبل تجربة كاملة راهنت على الإصلاح والاعتدال كطريق ثالث بين التطرف والاستبداد.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى