مصر

قنبلة الغموض النووي: لماذا يفلت الاحتلال من المساءلة الدولية والرقابة؟

يواجه النظام الدولي اختباراً أخلاقياً وسياسياً قاسياً في ظل اتساع الهوة بين معايير المحاسبة النووية، حيث تبرز الترسانة الذرية للاحتلال الإسرائيلي كأكبر تحدٍ يواجه شمولية معاهدة عدم الانتشار. تتصاعد الضغوط حالياً داخل أروقة الأمم المتحدة لكشف الغموض الذي يحيط بمخزون مفاعل ديمونة، وسط تساؤلات حادة حول مبررات الصمت العالمي تجاه القوة النووية الوحيدة في المنطقة. تفرض هذه التطورات واقعاً جديداً يتجاوز سياسة “الغموض النووي” التي اعتمدتها تل أبيب لعقود، خاصة مع ظهور أصوات داخل مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية تطالب بإنهاء هذا الاستثناء التاريخي. يرفض المجتمع الدولي بشكل غير معلن إخضاع هذه الترسانة للتفتيش الدوري، مما يضع مصداقية المنظومات الرقابية العالمية على المحك، ويؤدي إلى حالة من عدم التوازن الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط.

ازدواجية المعايير الدولية والترسانة المخفية

تستمر التحقيقات والتقارير الدولية في رصد التباين الصارخ بين التعامل مع البرنامج النووي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية والترسانة النووية التابعة للاحتلال، حيث تشير تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام واتحاد العلماء الأمريكيين إلى امتلاك الكيان الإسرائيلي ما بين 80 و90 رأساً نووياً. يمتلك الكيان قدرات متطورة تشمل أنظمة توصيل عبر الصواريخ البالستية والطائرات النفاثة، ومع ذلك لم ينضم رسمياً إلى اتفاقية عدم الانتشار النووي حتى الآن. يثير السفير دو هونغ فيت، رئيس المؤتمر الاستعراضي الحادي عشر لمعاهدة عدم الانتشار، قضية الضغوط المتباينة، معترفاً بأن دعوات انضمام دول مثل الهند وباكستان والكيان الإسرائيلي للمعاهدة ظلت حبيسة النقاشات دون إجراءات فعلية. يبرز هذا التناقض في ظل خضوع طهران لرقابة صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بينما تظل المنشآت النووية في صحراء النقب بعيدة تماماً عن أي مراجعة أو مراقبة تقنية دولية.

سياسة الغموض ومناورات الهروب من الاستحقاق

يتمسك السفير داني دانون بسياسة الصمت التقليدية التي تنهجها حكومته، ممتنعاً عن تأكيد أو إنكار امتلاك السلاح الذري رغم الحقائق التي كشفها الخبير مردخاي فعنونو بالصور والوثائق منذ عام 1985. يعتمد الخطاب الرسمي للاحتلال على ادعاء دور “قوة الاستقرار”، متجاهلاً سجل العمليات العسكرية التي استهدفت منشآت نووية في الجمهورية العربية السورية والعراق خلال العقود الماضية. تعود جذور هذا الغموض إلى تفاهمات سرية وقعت في عام 1969 بين الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر مع قادة الاحتلال، قضت بحماية البرنامج النووي من أي مساءلة دولية. تسبب هذا الاتفاق الشفهي في تجميد المبادرات الهادفة لإعلان الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وهي المبادرة التي دافع عنها عمرو موسى بقوة قبل عقود قبل أن يتم تحييده عن المشهد الدبلوماسي الفاعل لضمان استمرار الهيمنة الذرية المنفردة في المنطقة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى