
أزاح العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان، الستار عن طبقة من اللبنانيين تضمّ في صفوفها مسؤولين، وسياسيين، ونواب، ومستشارين وصوليين متذبذبين، وناشطين، ومحلّلين، ومنظّرين رماهم الدهر علينا وعلى الوطن، مع أقلام صفراء رهنت نفسها بلوائح الدفع الخارجي، وعملاء سفارات يتلقون منها التعليمات، وخونة يروّجون للعدو ويزوّدونه بالمعلومات والإحداثيات، يدافعون عنه بكلّ وقاحة، ويبرّرون عدوانه بلا حياء، وبلا ذرّة من الشرف، والكرامة، عابثين بالقوانين الجزائية ذات الصلة بالعدو.
إنه لبنان، الوطن الجريح النازف الذي نرى فيه عجائب الزمان، وهو يضمّ في داخله شريحة لم نشهد مثيلاً لها، وهي تقف إلى جانب عدو يحتلّ أرضها، تغازله، تبرّر أفعاله، تشجّعه على الاقتصاص من أبناء “وطنها”، وتروّج له، في الوقت الذي يشتعل الجنوب، وتقوم “إسرائيل” باتباع سياسة الأرض المحروقة، تدمّر، تقتل، تهجّر، وتسوّي مدنه وقراه بالأرض!
بموجب أيّ دستور وقانون، وتحت أيّ غطاء يتصدّر البعض في هذه الطبقة المنحرفة، شاشات التلفزة، يبرّرون علناً اعتداءات “إسرائيل” بخبث شديد، وحقد دفين، وعمالة مكشوفة، وكراهية موصوفة، محمّلين مسؤولية ما يجري على الأرض، للذين صمّموا على الدفاع عن بلدهم وتحريره من الاحتلال؟! كيف يمكن لمسؤول رفيع، جزء كبير من أرض بلده تحت الاحتلال، يسرح ويمرح فيها جيش العدو، يقصف، يبيد، ويهجّر سكانه، ثم يغضّ بصره عما ورد في ورقة التفاهم مع “إسرائيل”، ليعطيها صكّ براءة مجانيّة رسميّة، يجيز لها بشكل فاضح ومثير”اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس في أيّ وقت، ضدّ أيّ هجمات مخططة أو وشيكة أو جارية”؟! ماذا عن حق لبنان في ورقة التفاهم مع “إسرائيل”؟ وما هي الغاية التي يريدها لبنان من الاتفاق؟! أهو إطلاق يد الجيش الإسرائيلي ليفعل ما يشاء، وفي أيّ وقت، دون قيد أو شرط، ودون حسيب أو رقيب، وبمباركة وموافقة رسمية لبنانية مطلقة!
عندما يفلت العدو الإسرائيلي من عقاله، ما هي مسؤولية الدولة حينئذ في حماية الوطن والأرض والشعب؟! ما الذي ستفعله بعد أن جرّدت لبنان من أيّ قوة تتصدّى للعدو؟! قولوا لنا، ما هو دور الجيش في هذه الحالة، وكيف يمكن له أن يدافع عن أرضه وشعبه ضدّ العدو، فيما ورقة التفاهم بين لبنان و”إسرائيل” في واشنطن، أعطت الحق للعدو في “اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس”! لأول مرة في تاريخ الصراع بين الدول، يتخذ حاكم موقفاً غريباً، مريباً، وصادماً للغاية، بعيداً عن المنطق، وروح الدستور والقانون، مما يطرح تساؤلات، وعلامات استفهام كثيرة، حول خفايا ومدى الوعود والالتزامات، والضمانات التي قطعتها الدولة اللبنانية على نفسها للوسيط الأميركي، كي تذهب بعيداً، دون محاذير وضوابط سياسية، ودستورية، وقانونية، لتعطي جيش العدو الإسرائيلي، الحق والحرية الكاملة في استخدام القوة ضدّ لبنان، وأن يفعل ما يشاء بحق مدنه وقراه وشعبه، وبالذات بحق مَن حمل فعلاً شعار الشرف والتضحية والوفاء وهو في مواجهة أشرس عدو!
ما أشبه اليوم بالأمس البعيد، عندما جمع الأمير بشير الشهابي الملقب بـ “الكبير” أعيان الجبل، ووجّه رسالة مطوّلة باسمهم جميعاً إلى إبراهيم باشا المصري الذي احتلّ جيشه فلسطين ولبنان وسورية، وهي رسالة جاءت بعد أن أخلّ إبراهيم باشا بوعده الذي قطعه للأمير بشير، من أنه سيزوّده بالأسلحة مقابل مساعدته للجيش المصري في إخماد مقاومة اللبنانيين ضدّ الاحتلال، على أن يصبح السلاح في ما بعد ملكاً للأمير وجيشه.
رسالة الأمير بشير جاءت فور طلب الأمير إبراهيم باشا استرجاع السلاح خلال 24 ساعة، والتي تحمل في داخلها الكثير الكثير من الخنوع والذل، عندما توسّل الأمير بشير إلى والي مصر محمد علي باشا والد إبراهيم باشا، يرجوه إبقاء السلاح في أيدي الأمير بشير وجنوده، مُذكّراً بوفائه له، وبمشاركة جنوده مع الجيش المصري في القضاء على المقاومين، وكيف قام جيش الأمير بشير بقتل آلاف اللبنانيين، في مختلف المناطق، وإلقائه القبض على زعماء دروز، وشيعة، ومسيحيّين، مقاومين للوجود المصري، وإرسالهم إلى دمشق، وتسليمهم لسلطة إبراهيم باشا، ليتمّ إعدامهم هناك! لم يكتف الأمير بشير بهذا القدر من الشرح، بل أشار أيضاً في رسالته لمحمد علي باشا، كيف أصبح مكروهاً من قبل “جيرانه” بسبب تعاونه مع إبراهيم باشا، ليعدّد بعد ذلك “إنجازاته” العسكرية “العظيمة” التي أسفرت عن قتل العديد من المقاومين للاحتلال، وخسارة جيش الأمير بشير عدداً كبيراً من القتلى في صفوف جيشه، رسالة الأمير بشير مدوّنة ومفصلة نصاً وروحاً في تقرير القنصل الفرنسي في بيروت Prosper Bourrée رقم 12 تاريخ 30 أيار/ مايو 1840، الموجّه إلى رئيس وزراء فرنسا، وزير الخارجية Adolphe Thiers.
كيف يمكن للأمير بشير الشهابي “الكبير” أن يتواطأ مع المحتلّ ضد أبناء جلدته، ووطنه! لصالح مَن، وضدّ مَن؟! أمير “كبير” في خدمة جيش الاحتلال، يعطيه الحق أن يفعل ما يشاء ضد اللبناتيين المقاومين له، بل أكثر من ذلك، يساعده ويشاركه في حربه ومعاركه ضدّ أبناء وطنه!
اليوم، وفي عهد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، يتعرّض لبنان لعدوان إسرائيلي متواصل فيما جزء من أرضه يرزح تحت نير الاحتلال، وفي لبنان مقاومة ضدّ العدوان والاحتلال، مقاومة تعتبرها الدولة اللبنانية خارجة عن القانون، في الوقت الذي تقرّ فيه وبصراحة تامة، أنّ ما تقوم به “إسرائيل” في لبنان، يدخل في إطار “الدفاع عن النفس”! ها هو التاريخ يعيد نفسه في لبنان من جديد: أمير “كبير” يقف في وجه مقاومة شعبه للاحتلال المصري، ويشارك جيش إبراهيم باشا في القضاء على مقاومة أبناء شعبه، ويعطيه الحق أن يفعل ما يشاء بالمقاومين الثائرين على المحتلين لبلدهم!
في لبنان اليوم رئيس للجمهورية وحكومة للبلاد، وهناك أيضاً احتلال إسرائيلي، ومقاومة ضدّ الاحتلال! رئيس وحكومة يرفضان مقاومة الاحتلال، ويعتبرانها خارجة عن القانون، ويقفان في مواجهتها، في الوقت الذي يقرّ فيه رئيس الجمهورية والحكومة ضمناً بـ “حق “إسرائيل” في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس في ايّ وقت ضدّ هجمات مخططة أو وشيكة أو جارية”! بموجب أيّ قوانين وطنية ودولية، يقبل رئيس الجمهورية أن تقوم “إسرائيل” بالدفاع عن نفسها ضدّ المقاومين لها، في الوقت الذي تحتلّ فيه جزءاً من لبنان؟! إذا كان رئيس الجمهورية من خلال ورقة التفاهم المعلنة في واشنطن برعاية أميركية، أقرّ بـ “حق “إسرائيل” في الدفاع عن نفسها”، فأين حق لبنان وجزء من أرضه محتلّ، للدفاع عن نفسه، ومَن هو الذي سيدافع عنه؟! بموجب أيّ قانون يُجاز لدولة الاحتلال الدفاع عن نفسها ضدّ “هجمات وشيكة أو مخططة”؟! قولوا للبنانيين بصراحة تامة، ما المطلوب من لبنان الآن؟! أهو الاستسلام، والذلّ، والتنازل عن كرامة شعب وسيادة وطن! قولوا لنا لماذا لم تتضمّن ورقة التفاهم الأميركية الناجمة عن لقاء سفيرة لبنان، وسفير “إسرائيل” في واشنطن، فقرة واضحة تؤكد على ضرورة انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة؟! كيف يمكن للبنانيين أن ينتظروا من مسؤولين موقفاً شجاعاً يليق بوطنهم، بعد أن تأقلموا مع اعتداءات العدو اليومية على أبناء شعبهم، ويمنعون بالتالي مَن يريد تحرير أرضه؟! المعادلة واحدة بين أمير ورئيس، والقاسم المشترك بينهما هو: الوقوف في وجه مقاومة الاحتلال، والإقرار الضمني والاعتراف بـ “حق” المحتلّ في الاستمرار بعدوانه، وشرعنة اعتداءاته، والقبول في “اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس”! دفاع عن النفس ضدّ مَن؟! وتحميل المسؤولية لمَن؟! للمدافعين عن وطنهم، والمقاومين للاحتلال؟!
يا حكام لبنان! تبحثون عن السلام، وأيّ سلام هذا الذي تريدونه وتريده “إسرائيل”؟! “إسرائيل” لا تريد سلامكم، بل تريد منكم الأمن.
والاعتراف بها، وفرض الأمر الواقع على لبنان، بكلّ ما يحمله من أطماع وتوسع، وسيطرة على الأرض والموارد والثروات المائية والطاقوية.
لا تجازفوا بوطن، ولا تذلوا شعبه الذي يأبى الذلّ، ويرفض المتاجرة به وبحقوقه، وهو في زمن يشهد فيه كيف تباع الأوطان بالمناصب، والمكاسب، والصفقات!
أعداء الوطن يا فخامة الرئبس، يأخذون لبنان بسرعة إلى مشرحة التقسيم، وإلى الاستيلاء الكامل للعدو على جنوبه.
هل سمعتم ما قاله وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش مؤخراً من “أنّ الحرب يجب أن تنتهي بتغيير حدود “إسرائيل” في غزة، والضفة الغربية، ولبنان وسورية”؟!
فخامة الرئيس…
تعلمون جيداً أنه خلال ثلاثة أشهر فقط، سقط جراء العدوان الإسرائيلي المتواصل عشرة آلاف شهيد وجريح، و20 قرية جنوبيّة مسحت عن الخريطة والحرب تتسع،
فما أنتم فاعلون بالدبلوماسية التي حملتم لواءها لتحرير لبنان؟!
أيّها التاريخ سجّل…!







