مقالات وآراء

مصباح العلي يكتب : لبنان في عين العاصفة الإقليمية… بين التصعيد الإسرائيلي واحتمالات المواجهة الأميركية ـ الإيرانية

مصباح العلي

لم يعد ممكناً التعامل مع التطورات العسكرية والسياسية الجارية في المنطقة باعتبارها مجرد جولات ضغط متبادل أو رسائل أمنية محدودة السقف. فالمشهد الإقليمي يتجه تدريجياً نحو مرحلة أكثر خطورة، عنوانها ارتفاع منسوب الاشتباك المباشر بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، بالتوازي مع توسع المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، بما يجعل لبنان كله، لا الجنوب فقط، داخل دائرة الاستهداف والاهتزاز الأمني والسياسي.

العدوان الإسرائيلي الأخير على الضاحية الجنوبية لبيروت لم يكن حدثاً معزولاً أو مجرد رد أمني موضعي، بل حمل رسائل استراتيجية تتجاوز الداخل اللبناني. إسرائيل أرادت القول بوضوح إنها انتقلت إلى مرحلة جديدة من قواعد الاشتباك، وأنها لم تعد ترى أي خطوط حمراء تحول دون توسيع نطاق عملياتها العسكرية داخل العمق اللبناني. الأخطر أن هذا العدوان كشف بصورة عملية سقوط كل الحديث عن “الضمانات الأميركية” أو “الضوابط الدولية” القادرة على كبح رئيس الحكومة الإسرائيلية Benjamin Netanyahu، الذي يبدو أكثر اندفاعاً نحو التصعيد بفعل أزماته الداخلية وحساباته السياسية والشخصية.

في الواقع، لم يعد نتنياهو يدير حرباً تقليدية فحسب، بل يخوض معركة وجود سياسي داخل إسرائيل نفسها. فالرجل الذي يواجه انقسامات داخلية عميقة، وضغطاً شعبياً وأمنياً متزايداً، يدرك أن استمرار التوتر والحرب يمنحه فرصة إضافية للبقاء في السلطة وتأجيل انفجار أزماته الداخلية. ولذلك، فإن توسيع الاشتباك مع حزب الله أو رفع مستوى التوتر الإقليمي بات جزءاً من استراتيجية الهروب إلى الأمام.

لكن المسألة لا تتعلق بإسرائيل وحدها. فالإدارة الأميركية، رغم محاولتها الظهور بمظهر الضابط لإيقاع المنطقة، تبدو عاجزة عن فرض سقوف واضحة على الحكومة الإسرائيلية. الولايات المتحدة لا تريد حرباً شاملة في الشرق الأوسط، لأنها تدرك كلفتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الأميركية الكبرى، لكنها في الوقت نفسه لا تملك القدرة الفعلية على لجم اندفاعة نتنياهو بالكامل. وهنا تكمن خطورة المرحلة: إدارة أميركية تحاول ضبط الانفجار، مقابل حكومة إسرائيلية ترى في التصعيد فرصة سياسية وأمنية.

أما إيران، فهي الأخرى تتعامل مع التصعيد من منطلق مختلف. طهران لا تريد حرباً شاملة حالياً، لكنها أيضاً لا تستطيع التراجع أو الظهور بموقع الضعف بعد كل ما جرى في غزة ولبنان وسوريا. لذلك تبدو المنطقة وكأنها تسير فوق حافة هاوية دقيقة: الجميع يلوّح بالحرب، والجميع يحاول تفاديها في اللحظة نفسها، لكن أي خطأ ميداني أو ضربة غير محسوبة قد يدفع الأمور نحو انفجار واسع يصعب احتواؤه.

ضمن هذا السياق، يصبح لبنان الحلقة الأكثر هشاشة وخطورة. فالبلد الغارق أصلاً في انهياره الاقتصادي والمالي والمؤسساتي لا يمتلك القدرة على تحمل حرب واسعة أو حتى استمرار حالة الاستنزاف الحالية. والأخطر أن أي مواجهة كبرى لن تبقى محصورة في الجنوب هذه المرة، بل قد تمتد إلى العمق اللبناني بكل ما يحمله ذلك من تداعيات على البنية التحتية والمرافق الحيوية والاقتصاد وحركة النزوح والاستقرار الاجتماعي.

من هنا تبرز أهمية الوقت السياسي الضائع الذي يمر به لبنان. فالمعلومات المتداولة حول الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي Donald Trump إلى الصين الأسبوع المقبل تشير إلى أن ملفات كثيرة، عسكرية وسياسية، قد توضع مؤقتاً في دائرة الانتظار، ومن بينها زيارة الرئيس اللبناني Joseph Aoun. وهذا التأجيل قد يشكل فرصة نادرة للبنان، إذا أحسنت القوى السياسية التقاطها، لإعادة ترتيب الأولويات الداخلية بعيداً عن الحسابات الضيقة والانقسامات التقليدية.

فالمرحلة المقبلة تتطلب، أكثر من أي وقت مضى، اجتماعاً جدياً بين الرؤساء الثلاثة والقوى الأساسية للتفاهم على مقاربة موحدة لإدارة الأزمة المقبلة، سواء على المستوى الأمني أو السياسي أو الاقتصادي. كما أن لبنان يحتاج إلى تفعيل التشاور العربي بصورة عاجلة، لأن أي اهتزاز واسع في الداخل اللبناني ستكون له انعكاسات مباشرة على المنطقة بأسرها، خصوصاً في ظل التحولات الجارية في الإقليم.

المشكلة أن الداخل اللبناني ما زال يتعامل مع التطورات بعقلية الانقسام التقليدي، فيما المنطقة كلها تدخل مرحلة إعادة رسم موازين القوى والنفوذ. والخشية الحقيقية أن يجد لبنان نفسه مرة جديدة ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، في وقت يعاني فيه من ضعف داخلي غير مسبوق وانهيار شبه كامل في مؤسسات الدولة.

المؤشرات الحالية لا توحي بأن التهدئة قريبة. على العكس، يبدو أن نتنياهو ماضٍ في سياسة التصعيد وتوسيع دائرة النار، مستفيداً من ارتباك المجتمع الدولي وعجزه عن فرض أي تسوية جدية. أما لبنان، فيقف مرة جديدة أمام اختبار وجودي، بين احتمال الانزلاق إلى مواجهة مدمرة، أو القدرة على استثمار ما تبقى من وقت لترميم الحد الأدنى من التماسك الداخلي قبل العاصفة الكبرى.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى