من ذاكرة التاريخ: أسطورة “جروبي” قصة الرقي السويسري على أرض مصرية

لا يمكن لزائر وسط المدينة في القاهرة أن يمر بميدان “طلعت حرب” دون أن تستوقفه واجهة مرصعة بالفسيفساء النادرة على طراز الـ “آرت ديكو”، تحمل اسماً صار مرادفاً للأناقة الملكية والوجاهة الاجتماعية: “جروبي”. هذا الصرح الذي تأسس عام 1924 (فرع طلعت حرب)، لم يكن مجرد مقهى، بل كان تجسيداً لزمن الثروات والتباهي، زمن ملوك مصر وأمرائها، حين كان الجنيه المصري يناطح الجنيه الإسترليني في قيمته وقدره.
جياكومو جروبي.. السويسري الذي سحر ملوك مصر
بدأت القصة مع صانع الحلويات السويسري الشهير جياكومو جروبي، الذي قدم من كانتون تيتشينو ليفتتح أول محلاته بالإسكندرية عام 1890، ثم انتقل للقاهرة ليفتتح في عام 1924 فرعه الأسطوري في ميدان سليمان باشا (طلعت حرب حالياً). كان جروبي هو أول من أدخل “الكريم شانتييه” والآيس كريم إلى مصر، وصارت شوكولاتة جروبي عالمية الصيت، لدرجة أن الملك فاروق أرسل خلال الحرب العالمية الثانية 100 كيلوغرام منها هدية للملك جورج السادس وبناته الأميرات (إليزابيث ومارغريت)، في رحلة بحرية محفوفة بالمخاطر تفادت الغواصات الألمانية لتصل لندن بسلام.
مسرح المكائد السياسية وساحة الفن والأدب
لم يكن جروبي مكاناً لتناول “المارون غلاسيه” أو “البتي سويس” فحسب، بل كان ساحة لعقد الصفقات التاريخية والمكائد السياسية. وتحت أسقفه، حجز كبار المبدعين طاولاتهم؛ فكان للصحفي والشاعر كامل الشناوي طاولته الخاصة، وكان الأديب العالمي نجيب محفوظ يتردد عليه لقراءة الصحف، كما كان يشاهد فيه الفيلسوف توفيق الحكيم. وفي سنوات الحرب العالمية الثانية.
حديقة “عدلي” والموسيقى التي لم تتوقف
في فرع شارع عدلي، كان الجنرال البريطاني مونتغمري يستمتع بأماسي موسيقى الجاز. ويذكر التاريخ أن حديقة جروبي كانت تشهد عروضاً فنية تُرفع فيها منصة الرقص “هيدروليكياً” في مشهد كان يسبق عصره بسنوات طويلة، مما جعل رواد المكان يشعرون وكأنهم في قلب باريس أو لندن.
أسرار وجواسيس.. لقاءات لم تمحُها السنين
تذكر ذاكرة جروبي قصصاً تقترب من الخيال؛ ففي ممراته دعا الكولونيل “ديفيد ساذرلاند” أسيرين ألمانيين لتناول الشاي قبل تسليمهما للتحقيق. وتشير وثائق الاستخبارات إلى أن “أدولف إيخمان” زار المقهى عام 1937، كما كان مكاناً للقاءات الجواسيس خلال فترات الحروب، مما جعله دائماً تحت أعين المخابرات، لدرجة أن حملة اعتقالات شهيرة وقعت في مطلع الستينيات طالت رواد “طاولة الإفطار” بتهم سياسية تبين لاحقاً أنها كانت هواجس بلا دليل.
تقاليد سويسرية صارمة وسرية المهنة
كان العمل داخل مصنع جروبي يتم بصرامة سويسرية؛ حيث كانت الوصفات تُكتب بالفرنسية لضمان سريتها، ولا يعرف أي طاهٍ المكونات الكاملة للمنتج، بل يختص كل منهم بمرحلة واحدة فقط. وبقي “إبراهيم محمد فاضل” أقدم عماله، شاهداً على عصر “بيانشيه” ابن جروبي، وعلى زبائن من طراز فؤاد سراج الدين باشا وعلي ومصطفى أمين.
جياكومو جروبي.. السويسري الذي “حلى” أيام المصريين
بدأت الحكاية مع المغامر وصانع الحلويات السويسري جياكومو جروبي (1863 – 1947)، الذي جاء من كانتون تيتشينو السويسري ليفتتح أول محلاته بالإسكندرية عام 1890.
لكن الانطلاقة الحقيقية التي خلدت اسمه في وجدان القاهرة كانت في عام 1909 حين افتتح “بيت جروبي” بشارع المناخ، ثم توجها في عام 1924 بافتتاح المقر الأسطوري في ميدان طلعت حرب (سليمان باشا سابقاً)، ليصبح قلب القاهرة النابض بالرقي.
وفي عام 1952 كاد أن يتعرض للحريق في أحداث حريق القاهرة لكنه نجا ليعود للعمل. وفي عام 1981 انتقلت ملكيته لمجموعة “لقمة” المصرية مع الحفاظ على طابعه التاريخي.
نهاية عصر وبقاء الذاكرة
رغم تغير الزمن، يبقى مدخل جروبي المرصع بالفسيفساء بطراز الـ “آرت ديكو” حارساً لذكريات لا تموت. إنه تجسيد لزمن كان فيه الجنيه المصري يناطح الجنيه الإسترليني، وزمن كانت فيه القاهرة منارة للجمال. واليوم، ونحن نستعيد هذه الذكرى، ندرك أن جروبي ليس مجرد مطعم، بل هو جزء من الهوية البصرية والثقافية لمصر التي لن تُمحى من ذاكرة التاريخ.
يبقى “جروبي” اليوم أسطورة حية، تذكّرنا بجمال القاهرة الغابر، وعصر الأمجاد الذي لن نجده الآن إلا في أرشيفات السينما وبطون الروايات، شاهداً بفسيفسائه الرائعة على مئة عام من الأناقة المصرية.







