فلسطينمقالات وآراء

هندسة الخنق: مخطط إسرائيل السري لإعدام الحياة في غزة وإعادة رسم جغرافيتها

تتجاوز العمليات العسكرية الحالية في قطاع غزة حدود المواجهة التقليدية، لتتحول إلى عملية “هندسة خنق” ممنهجة تهدف إلى تغيير ديموغرافية وجغرافية القطاع بشكل نهائي. من خلال سياسة “الخط الأصفر” والمناطق العازلة.

تعتمد سلطات الاحتلال الإسرائيلي استراتيجيات عسكرية مغلفة بأهداف جغرافية بعيدة المدى تستهدف تقليص المساحات القابلة للحياة داخل قطاع غزة، وتعمل الآلة الحربية حاليا على تنفيذ عملية إعادة صياغة شاملة للخريطة الديموغرافية عبر فرض مناطق عازلة تلتهم الأخضر واليابس، وتؤدي هذه السياسات الممنهجة إلى تحويل المناطق السكنية والزراعية إلى مساحات معزولة تماما يسهل التحكم فيها وخنقها اقتصاديا، وتتجاوز التحركات الراهنة مجرد العمليات العسكرية المعتادة لتصل إلى حد الإبادة الجغرافية وتغيير ملامح الأرض وتفريغها من أصحابها الأصليين بقوة السلاح والترهيب المباشر.

استنزاف الأرض وحصار السلة الغذائية

تستولي القوات الإسرائيلية حاليا على مساحات شاسعة تتراوح بين 55% و65% من إجمالي مساحة قطاع غزة عبر تعطيل الوصول إليها أو السيطرة الميدانية، ويؤكد الحقوقي حسين حماد أن الاحتلال فرض قديما منطقة عازلة بعمق 300 متر لكنها تمددت الآن لتلتهم كيلومترات كاملة من العمق الفلسطيني، وتكشف التقارير الميدانية أن ما يسمى بالخط الأصفر يتوغل لمسافة تصل إلى 5 كيلومترات من السياج الفاصل، مما يعني اقتطاع أجزاء حيوية من بيت لاهيا وبيت حانون وشرقي جباليا ودير البلح وصولا إلى خان يونس ورفح، وتؤدي هذه الهندسة القاتلة إلى حرمان السكان من أخصب أراضيهم الزراعية وتدمير مستقبلهم الغذائي.

يواجه المزارعون الفلسطينيون حربا شرسة تستهدف اقتلاعهم من أراضيهم التي كانت توفر الاكتفاء الذاتي من الخضروات والحمضيات طوال عقود مضت، وتسيطر إسرائيل فعليا على أكثر من 80% من المساحات المنزرعة مما أدى لارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية واعتماد كلي على الإغاثات الخارجية، واستخدمت القوات الغازية أسلحة محرمة دوليا وقذائف الفسفور الأبيض لتسميم التربة وتغيير خصائصها الفيزيائية مما يجعل استصلاحها مستقبلا ضربا من الخيال، وتهدف هذه السياسة المحروقة إلى إعدام أي فرصة للحياة الكريمة داخل قطاع غزة وتحويله إلى بؤرة للجوع الدائم والاحتياج المستمر.

انفجار ديموغرافي وشريط ساحلي ضيق

دفع التهجير القسري وهروب المواطنين من نيران المدافع في مناطق الخط الأصفر إلى حدوث تكدس بشري مرعب في الشريط الساحلي الضيق بجهة الغرب، وسجلت مناطق غربي النصيرات والزوايدة والمواصي في خان يونس ورفح معدلات كثافة سكانية غير مسبوقة عالميا تجاوزت 40 ألف نسمة في الكيلومتر المربع الواحد، ويحول هذا الضغط الديموقراطي الهائل المناطق الساحلية إلى سجون مفتوحة تفتقر لأدنى مقومات الصحة العامة والخدمات الأساسية، بينما يبقى خطر القنص والقتل المباشر يطارد كل من يقترب من المناطق المحرمة التي رسمها الاحتلال بدماء المدنيين الأبرياء.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى