شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: كامل الوزير… واستقالة وزير الداخلية

روى لي أبي الروحي وأستاذي الراحل فؤاد سراج الدين، الواقعة الوحيدة تقريبا التي شهدت خلافا حقيقيا بينه وبين زعيمه وأستاذه مصطفى النحاس.حكاية قديمة… لكنها تبدو اليوم أكثر حداثة من كثيرٍ مما نراه حولنا.

كان فؤاد سراج الدين يومها وزيرا للداخلية، وقد وصلته معلومات مؤكدة عن مخطط للاعتداء على رئيس الوزراء أثناء نزوله من القطار القادم إلى القاهرة.
أصدر الوزير تعليماته لثلاثة ضباط بأن يكونوا في استقبال النحاس باشا بمحطة مصر، وأن يحيطوا به حتى يستقل سيارته.

النحاس، الذي كان يرى الناس امتدادا طبيعيا لروحه، لم يحتمل ذلك الحاجز البشري بينه وبين المواطنين.
ضاق بالسياج الأمني، فمد يده يدفع أحد الضباط برفق كي يفسح المجال لعبور الناس نحوه.

بدت الواقعة للبعض بسيطة… لكنها لم تكن كذلك عند فؤاد سراج الدين.
رجل الدولة القديم اعتبر أن المساس بأحد ضباطه، ولو بإشارة عابرة من رئيس الحكومة نفسه، يمثل إهانة لهيبة الوزارة واحترام المؤسسة.
تقدم فورا باستقالته.

لم يتراجع عن قراره إلا بعد أن استدعى النحاس الضباط الثلاثة بنفسه، واعتذر لهم أمام الصحفيين، وطلب منهم نقل اعتذاره الشخصي إلى وزير داخليته.
هكذا كانت تُدار الدولة يوما؛
هيبة لا تُبنى بالصوت المرتفع… بل بالاحترام.
وقوة لا تحتاج إلى إهانة الناس كي تثبت وجودها.

تتزاحم هذه الواقعة في ذاكرتي كلما تابعت تصرفا مؤسفا من بعض الوزراء أو المحافظين، حتى أصبح خبر إهانة طبيب أو طبيبة، معلم أو مهندس، موظف أو مواطن بسيط، خبرا عاديا يتكرر بلا دهشة.
كأن القسوة أصبحت جزءا من الأداء الوظيفي، وكأن بعض المسؤولين يظنون أن التعالي يمنحهم صورة “الرجل الحاسم” القادر على إدارة الدولة بالصراخ والتوبيخ والإذلال العلني.

آخر هذه المشاهد ما جرى قبل أيام من وزير الصحة تجاه عدد من نواب البرلمان، ثم ما حدث منذ ساعات من الفريق كامل الوزير بحق أحد المهندسين الشباب، في مشهد أثار غضبا واسعا، ليس فقط بسبب الكلمات، بل بسبب الفكرة الكامنة خلفها:
فكرة أن المسؤول يملك حق التوبيخ العلني والإهانة، فقط لأنه يجلس على مقعد السلطة.

الدولة المتحضرة لا تُقاس بعدد الكباري والطرق والمشروعات وحدها.
الخرسانة لا تصنع احتراما.
الإنسان هو معيار التحضر الحقيقي.
نبرة الوزير أحيانا أخطر من قراره، وكلمة متعالية قد تهدم ما بنته عشرات الخطب عن الكرامة والمواطنة والعدالة الاجتماعية.

الفكرة الأساسية في الديمقراطيات الحديثة أن المسؤول “خادم عام”، لا سيدا على الناس.
موظف يتقاضى راتبه من ضرائب المواطنين، ويخضع لرقابتهم السياسية والمعنوية والإعلامية.
هناك فارق هائل بين مسؤول يدير مؤسسة… ومسؤول يتصور أنه يملك من يعملون فيها.

التاريخ المصري نفسه شهد أزمات انفجرت بسبب طريقة خطاب السلطة تجاه المواطنين.
المصري قد يتحمل الفقر، لكنه نادرا ما يغفر الإهانة.
كثير من لحظات الغضب الكبرى في تاريخنا لم تبدأ من نقص الخبز وحده، بل من الشعور بالاحتقار والاستهانة بآدمية الناس.

سنوات الملكية شهدت سقوط وزراء سياسيا بسبب تصريحات متعالية أو مواقف مستفزة، لأن الصحافة الحرة والبرلمان الحقيقي كانا قادرين على تحويل الجملة إلى قضية رأي عام.
برلمانات العشرينيات والثلاثينيات عرفت استجوابات قاسية بسبب كلمات اعتُبرت مهينة للمواطنين.

حتى ما بعد يوليو 1952، بقيت الذاكرة الشعبية تحتفظ بعبارات وتصرفات لمسؤولين أثارت غضب الناس.
الناس قد تنسى القرار… لكنها لا تنسى الطريقة التي عوملت بها.

سنوات ما قبل يناير 2011 مثّلت نموذجا صارخا لتراكم الغضب الناتج عن خطاب رسمي اتسم أحيانا بالاستخفاف بمعاناة المصريين.
الاهانة قد تصنعها جملة عابرة… أو نبرة صوت غير منضبطة… أو ضحكة ساخرة في وجه مواطن موجوع.

التجارب العالمية أكثر حساسية تجاه هذه المسألة.
اليابان شهدت استقالة وزراء بسبب كلمات اعتُبرت غير لائقة تجاه ضحايا كوارث أو مواطنين عاديين.
الثقافة السياسية هناك ترى الاعتذار شرفا، لا انتقاصا من الهيبة.

بريطانيا أيضا عرفت وزراء اضطروا للاعتذار أو الرحيل بسبب تصريحات وُصفت بالمتعالية تجاه العمال أو الفقراء أو المهاجرين.
الصحافة هناك لا تتعامل مع الواقعة باعتبارها “خناقة عابرة”، بل باعتبارها اختبارا لفهم الوزير لمعنى الوظيفة العامة.

فرنسا شهدت بدورها أزمات مشابهة، أبرزها ما سبق احتجاجات “السترات الصفراء”، حين شعر قطاع واسع من الفرنسيين أن النخبة السياسية تنظر إليهم من أعلى.
الاحتجاج لم يكن اقتصاديا فقط… بل كان غضبا من الإحساس بالإهانة الاجتماعية.

الولايات المتحدة نفسها، رغم صلابة مؤسساتها، شهدت سقوط شخصيات سياسية بسبب تسريبات تضمنت إساءات أو أوصافا عنصرية أو طبقية.
هناك إدراك عميق أن المسؤول لا يملك رفاهية الحديث بانفعال مع من يعملون تحت سلطته، لأن كلماته تتحول فورا إلى صورة للدولة نفسها.

القضية هنا ليست مجرد “أدب شخصي”.
الأمر يرتبط بفلسفة الحكم ذاتها.
خاصة حين تتكرر الوقائع بصورة لافتة من وزراء ومحافظين يتعاملون مع الموظفين والمرؤوسين باعتبارهم تابعين لا مواطنين.
حتى من يخدمك… لا تملك إهانته.
ومن لا يحسن معاملة من يعمل معه، يصعب الوثوق في عدالته مع الناس.

الدساتير الحديثة، ومنها الدستور المصري، وضعت الكرامة الإنسانية في مقدمة المبادئ الحاكمة.
أي عقد اجتماعي محترم يبدأ ضمنيا من فكرة احترام الإنسان.
وحين يُهان المواطن على الملأ من مسؤول كبير، يشعر المجتمع أن النصوص الدستورية فقدت روحها، حتى لو بقيت حروفها.

أخطر ما في إهانة الوزير لمواطن أنها تُرسل رسالة خفية إلى الجهاز الإداري كله:
إذا كان الوزير يهين… فلماذا يحترم الموظف؟
وهكذا تتحول القسوة إلى ثقافة، والتعالي إلى سلوك يومي، والبيروقراطية إلى أداة إذلال بدل أن تكون أداة خدمة.

الدول الذكية لا تنتظر انفجار الغضب.
الأنظمة الناضجة تفهم أن الاعتذار ليس ضعفا، وأن احترام المواطن ليس ترفا أخلاقيا، بل ضرورة لبقاء الثقة العامة.
كل سلطة تفقد احترام الناس، تبدأ تدريجيا في فقدان قدرتها على الإقناع، ثم التأثير، ثم البقاء المعنوي.

المواطن البسيط لا يطلب المستحيل.
أحيانا يريد فقط أن يشعر أن كرامته محفوظة.
ذلك الشعور وحده… هو الفارق الحقيقي بين دولة يخافها الناس، ودولة يشعرون أنها منهم… ولهم.
لا توجد تعليقات حتى الآن

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى