
في سبتمبر/أيلول 2015، تعهدت الأمم المتحدة بـ”تحويل عالمنا” عبر اعتماد أجندة دولية شاملة قوامها سبعة عشر هدفا للتنمية المستدامة، يحل موعد تقييمها النهائي في 2030. وكلما اقترب الأجل، اتسعت المسافة الفاصلة عن الإنجاز.
فالتقرير الأممي الأخير الصادر في يوليو/تموز 2025 يقدم خلاصة قاسية: 18% فقط من الغايات الـ169 تسير في المسار الصحيح، فيما يتراجع نحو 18% منها فعليا. أما الفجوة التمويلية العالمية، فقد بلغت 4.3 تريليونات دولار سنويا.
في هذا المشهد المتعثر، تحتل المنطقة العربية موقعا استثنائيا.. بالمعنى السلبي. تقديرات اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) تشير إلى أن المنطقة، إذا حافظت على نسق التقدم الحالي، ستحتاج إلى “ستين عاما إضافيا” لبلوغ غاياتها.
ومع ذلك، يظل الحديث عن “أداء عربي موحد” تعبيرا مضلِلا: دول الخليج وبعض دول المغرب العربي حققت قفزات في رقمنة التعليم وخفض وفيات الأمهات، فيما يشهد مشرق منهك بالنزاعات وانهيار العملات في لبنان وسوريا، واليمن، أول ارتفاع في الفقر المدقع منذ عقود. التفاوت داخل المنطقة الواحدة لا يقل حدة عن تفاوتها مع بقية العالم.
السؤال لم يعد: هل سننجز أهداف 2030؟ وإنما: كيف نحول هذه المحطة العسيرة إلى لحظة استدراك إستراتيجي عوض أن تكون شهادة وفاة جماعية؟
التقييم النهائي.. من يمسك القلم؟
التقييم مسار سياسي وتقني لا مجرد إجراء إحصائي محايد. تقوده الإسكوا بالتعاون مع جامعة الدول العربية، عبر المنتدى العربي للتنمية المستدامة (AFSD) الذي يعد المحطة الإقليمية الأهم قبل المنتدى السياسي رفيع المستوى (HLPF) في نيويورك. ومن المنتظر أن تشهد سنتا 2028-2029 تكثيفا للتقارير الوطنية الطوعية (VNRs)؛ استعدادا للملف الختامي.
غير أن ثمة مفارقة إحصائية صادمة: 41% فقط من المؤشرات الـ232 متوفرة ومحدَثة بانتظام في المنطقة، وتنخفض إلى 20% في مناطق النزاع. كيف نقيم ما لا نقيس؟ وكيف نطلب تمويلا مستهدفا لمعالجة فجوات لا نملك بياناتها؟
والأهم: من سيكتب الرواية النهائية؟ هل ستكون قراءة تنزل من نيويورك بأطرها الجاهزة؟ أم تقارير وطنية طوعية تكتبها وزارات التخطيط بمنطق الدفاع عن النفس؟ أم قراءة من الخارج تختزل المنطقة في صورة الفشل الجماعي؟
لدينا منصات عربية فاعلة في حقل التنمية المستدامة عموما، مثل المنصة الرقمية العربية التي أطلقتها الإسكوا، والشبكة العربية للمنظمات الأهلية للتنمية، وشبكة العلوم والتكنولوجيا من أجل التنمية المستدامة.
وفي حقل التقييم تحديدا، تسهم شبكة (EvalMENA) منذ سنوات في بناء قدرات المقيّمين ونشر منهجيات الحقل في المنطقة، غير أن حضورها ظل تقنيا ومجزأ، ولم يرتق بعد إلى منصة إقليمية قادرة على إنتاج تقييمات موازية ذات وزن في النقاش السياسي والتفاوضي.
ما يغيب إذن هو الإطار الجامع. فالمطلوب اليوم الارتقاء بما هو قائم، من جمعيات تقييم وطنية وشبكات إقليمية، نحو بنية عربية أكثر تماسكا، تستند إلى المعايير الدولية للتقييم (OECD-DAC، UNEG، IDEAS)، ويتجاوز نشاطها بناء القدرات نحو التأثير في السياسات وصياغة السردية الإقليمية.
شبكة من هذا النوع، إن تأسست اليوم، ستكون الجناح المعرفي الذي افتقدته الدبلوماسية التنموية العربية لعقدين كاملين.
التمويل: محطة التقييم بوصفها منصة استثمار
اللافت أن الخطاب التنموي العربي يقدم المنطقة دائما في موقع الطالب للتمويل، بينما تختزن المنطقة إمكانات تجعلها شريكا تفاوضيا من موقع قوة. الصناديق السيادية الخليجية تتجاوز أصولها 4 تريليونات دولار، والموارد الطبيعية تتنوع من النفط والغاز والفوسفات والمعادن إلى الطاقة الشمسية والرياح في أفضل أحزمتها العالمية.
والأهم أن صناعة المالية الإسلامية، التي تجاوز حجمها 4 تريليونات دولار، باتت تحظى باعتراف صريح من البنك الدولي وصندوق النقد ومنظومة التمويل الدولي للتنمية، بوصفها أداة منسجمة بنيويا مع أهداف التنمية المستدامة، نظرا لتقاطع “مقاصد الشريعة” مع الأبعاد الاجتماعية والبيئية للأجندة. أدوات الزكاة والوقف والصكوك المستدامة تمثل رصيدا تمويليا أصيلا يمكن إدماجه في صفقات تمويل ضخمة.
ثلاث آليات يمكن أن تحول محطة التقييم إلى منصة تمويل:
أولها، مقايضة الديون بالمناخ والتنمية، حيث يمكن للدول المثقلة بالديون استغلال تقارير الفجوة لانتزاع تحويلات للأقساط نحو استثمارات في الأهداف المتأخرة، على غرار ما أنجزته مصر في 2025 باتفاقيات بقيمة 900 مليون دولار مع ألمانيا، وإيطاليا، والصين.
ثانيها، الإطارات المتكاملة للتمويل الوطني (INFFs)، التي تربط كل دولار منفَق بهدف تنموي محدد، فتجلب الصناديق السيادية والمانحين بحجة “الشفافية العالية”.
ثالثها، فتح نوافذ التمويل الميسر، خاصة صندوق المناخ الأخضر، عبر ربط التقييمات النهائية بفرص الاستثمار في القطاعات التي تخلفت فيها المنطقة عن المسار العالمي.
في مؤتمر إشبيلية الرابع لتمويل التنمية (يوليو/تموز 2025)، الذي شهد انسحاب الولايات المتحدة من التوافقات، تَبنت وثيقة “التزام إشبيلية” مقاربات جديدة لمبادلة الديون والتعاون الضريبي وتثليث إقراض بنوك التنمية بحلول 2035.
لكن المنطقة العربية حضرت بمبادرات قُطرية متناثرة، لا بموقف تفاوضي موحد. وهذا تحديدا ما ينبغي أن يتغير.
ما بعد 2030.. الوزن أو التهميش
مفاوضات الأجندة الأممية لما بعد 2030 ستنطلق فعليا خلال الأشهر الثمانية عشر القادمة. وقد بدأ الاتحاد الأوروبي يخفف إشاراته إلى الأجندة الحالية، فيما تعارضها واشنطن علنا. هذا الفراغ يفتح نافذة إستراتيجية أمام المنطقة العربية لتقديم رؤية مستقلة.
اللافت أن جامعة الدول العربية تعمل فعلا على صياغة “إطار عربي للتنمية المستدامة لما بعد 2030″، مع التركيز على “الصمود في وجه الأزمات” كهدف محوري.
وهو خيار يعكس وعيا بخصوصية منطقة تتعرض لهزات سياسية ومناخية متكررة. كذلك بدأت الأجهزة الإحصائية العربية تطوير قواعد بيانات ذكية حتى لا تضيع المنجزات في التقييم الختامي، ولا تحرم الدول من التمويل الدولي بسبب فجوات معلوماتية.
ودول الرؤى المستقبلية، السعودية 2030، قطر 2030، مصر 2030، الإمارات 2031 و2071، تمتلك بالفعل بنى مؤسسية متقدمة لدمج المستهدفات الوطنية مع الأجندة الدولية، وهي الأقدر على قيادة صياغة الإطار القادم.
غير أن الصورة الإجمالية تبقى مقلقة: العرب يواجهون مفاوضات ما بعد 2030 كجزر معزولة، وصناديقهم السيادية كنوز بلا خرائط وبدون بوصلة تفاوضية.
وهذا الوزن لا يكتسب بالمقاربات الرسمية البيروقراطية وحدها، ولكن يكتسب بمراكز تفكير عربية مستقلة تنتج البدائل المعرفية، وشبكات خبراء تصاحب الوفود الرسمية في المفاوضات، ودبلوماسية تنموية موحدة تستثمر الإمكانات المالية العربية كرافعة تأثير حقيقية.
ما يجب أن يحدث الآن
أمامنا نافذة ضيقة لا تتجاوز ثمانية عشر شهرا. وأرى أن المنطقة العربية مدعوة إلى أربع خطوات لا تحتمل التأجيل:
أولا، الارتقاء بالشبكات والمبادرات القائمة، وفي مقدمتها (EvalMENA) وجمعيات التقييم الوطنية، نحو إطار عربي متماسك متخصص في تقييم السياسات التنموية، ينتج التقييم الموازي للتقارير الرسمية قبل التقييم النهائي لـ2030.
ثانيا، تشكيل فريق تفاوضي عربي مشترك يحمل ملفا واحدا إلى مفاوضات ما بعد 2030، يدمج المالية الإسلامية وأدوات الزكاة والوقف في صلب أدوات التمويل الجديدة المعترف بها أمميا.
ثالثا، إطلاق “صفقة عربية كبرى” لمبادلة الديون بأهداف التنمية، يقودها البنك الإسلامي للتنمية بالشراكة مع الصناديق السيادية والمؤسسات التمويلية العربية، بما يستثمر الفائض المالي الإقليمي رافعة لانتشال الدول العربية المثقلة بالديون.
رابعا، تجاوز التقارير الوطنية الطوعية المتفرقة بإصدار “تقرير عربي موحد” يقدَم إلى المنتدى السياسي رفيع المستوى في 2029، يحمل رواية المنطقة بصوت واحد، ويكسب التقييم وزن ورقة التفاوض الكبرى عوضا عن صفة الإجراء البيروقراطي.
خاتمة: نهاية مرحلة وبداية أخرى
أجندة 2030 لم تَفشل بعد، غير أنها على وشك أن تختزل في أرقام ومؤشرات لا تعكس تماما الواقع. والمنطقة العربية أمام خيارين: استقبال التقييم النهائي كحكم يتلى عليها، أو تحويله إلى لحظة تموقع كبرى تعيد بها تشكيل دورها في التنمية الدولية.
محطة 2030 نقطة ارتكاز قبل أن تكون نقطة نهاية. والنجاح العربي فيها يقاس بمعيارين متلازمين: ما تحقق على الأرض، والقدرة على بناء منظومة بيانات وتمويل قادرة على الاستمرار في عالم مجهول الملامح بعد 2030.
أربع سنوات قد تبدو قصيرة لإنجاز 169 غاية ضمن أهداف التنمية السبعة عشر، لكنها كافية لإعادة كتابة موقعنا في المعادلة. السؤال الوحيد المتبقي: من سيمسك القلم؟







