من مناجم دارفور إلى عقارات دبي.. تحقيق يتتبع مسار الذهب السوداني المرتبط بشبكات الدعم السريع

كشف تقرير صحفي موسع عن مسار معقد للذهب السوداني، يبدأ من مناجم دارفور وينتهي، وفق وثائق وتحقيقات دولية، في شركات ووسطاء وأصول عقارية داخل دبي، وسط اتهامات بتوظيف عائدات المعدن النفيس في تمويل شبكات مرتبطة بقوات الدعم السريع.
وأوضح التقرير، المنشور عبر منصة “نون إنسايت”، أن الذهب السوداني، الذي كان يمكن أن يشكل موردًا سياديًا مهمًا لدعم الخزينة العامة والبنك المركزي، تحوّل في السنوات الأخيرة إلى مصدر نفوذ وتمويل خارج رقابة الدولة، عبر مسار يبدأ من مناطق التعدين في دارفور، مرورًا بشركات تجارية ووسطاء ماليين، وصولًا إلى عقارات فاخرة في الإمارات.
الذهب يخرج من يد الدولة

بحسب التقرير، بدأت سيطرة قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي” على ذهب دارفور بصورة أكثر وضوحًا بعد اجتياح منطقة جبل عامر عام 2017، وإزاحة المجموعات المسلحة التي كانت تسيطر على المناجم هناك.
وأشار التقرير إلى أن جبل عامر كان ينتج ذهبًا تُقدر قيمته بنحو 422 مليون دولار سنويًا، وفق تقديرات أممية، بينما كانت الجماعات المسلحة تحقق عشرات الملايين من إيرادات التعدين، قبل أن تنتقل السيطرة تدريجيًا إلى شبكة مرتبطة بعائلة دقلو.
وفي العام التالي، منح البنك المركزي السوداني شركة “الجُنيد”، التابعة لعائلة دقلو، حق شراء الذهب من التعدين الأهلي، ما فتح الباب أمام انتقال المعدن الأصفر من مسار رسمي إلى شبكة خاصة، بحسب ما أورده التقرير. كما أكدت وزارة الخزانة الأمريكية في بيان سابق أن شركة “الجُنيد” تعمل عبر 11 شركة فرعية في قطاعات متعددة، بينها تعدين الذهب.
شركة الجُنيد وواجهات الذهب

يركز التقرير على شركة الجُنيد باعتبارها الحلقة التجارية الأبرز في تحويل الذهب الخام إلى تدفقات مالية، إذ ترتبط الشركة بعائلة دقلو، وتعمل في مجالات التعدين والبناء والنقل.
ووفق التقرير، لم تكن الجُنيد تعمل وحدها، بل ظهرت حولها شركات وواجهات داخل السودان وخارجه، بينها شركات لمعالجة مخلفات التعدين في مناطق مثل سونغو بجنوب دارفور، إضافة إلى شركات مسجلة في الإمارات، استخدمت في تسويق الذهب وشراء معدات ومركبات.
وأدرجت وزارة الخزانة الأمريكية شركات مرتبطة بالدعم السريع على قوائم العقوبات، بينها “Tradive General Trading” وكيانات أخرى، متهمة إياها بتسهيل شراء معدات وتحويل أموال لصالح قوات الدعم السريع. كما شملت العقوبات لاحقًا شركات مثل “Capital Tap General”، و“Creative Python”، و“AZ Gold”، و“Al Jil Al Qadem” ضمن شبكة مرتبطة بأبو ذر عبد النبي حبيب.
وسطاء يحولون السبائك إلى سيولة

بين المناجم والشركات والأسواق الخارجية، يبرز دور الوسطاء الذين يتولون، بحسب التقرير، تحويل الذهب إلى سيولة مالية تستخدم في شراء المركبات والمعدات ودفع الرواتب وتمويل شبكات النفوذ.
وذكر التقرير اسم مازن فضل الله، المقيم في دبي، باعتباره أحد الأسماء المرتبطة بعدة شركات واجهة، إلى جانب أبو ذر عبد النبي حبيب، الذي وصفه التقرير بأنه حلقة وصل مهمة بين شبكة آل دقلو والسوق الإماراتية.
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فرضت عقوبات على أبو ذر عبد النبي حبيب وشركات مرتبطة به، معتبرة أن هذه الكيانات وفرت دعمًا ماليًا ولوجستيًا لشبكات مرتبطة بالدعم السريع.
دبي كسوق وملاذ

يظهر اسم دبي في التقرير بوصفها محطة رئيسية لاستقبال الذهب وإعادة تصديره، فضلًا عن كونها بيئة تسمح بتأسيس شركات متعددة تعمل في التجارة والاستشارات والذهب والعقارات.
وتشير بيانات نقلتها رويترز إلى أن الإمارات استوردت ما يقرب من 90% من صادرات الذهب القانونية للسودان، أي نحو 8.8 أطنان، خلال النصف الأول من عام 2025، بقيمة تقترب من 840 مليون دولار، في مؤشر على حجم اعتماد تجارة الذهب السودانية على السوق الإماراتية.
كما نقلت رويترز عن مسؤولين وتجار أن الذهب المهرب من السودان يتجه أيضًا إلى الإمارات، بينما تؤكد أبوظبي في مواقفها الرسمية أنها لا تدعم قوات الدعم السريع، ودعت في تصريحات سابقة إلى وقف إطلاق النار والانتقال المدني في السودان.
عقارات فاخرة بقيمة ملايين الدولارات

في الحلقة الأخيرة من المسار، يتتبع التقرير انتقال عائدات الذهب إلى أصول عقارية فاخرة في دبي، بما يحول الثروة السائلة إلى ممتلكات ثابتة يصعب تتبعها أو استردادها.
ونقل التقرير عن منظمة “The Sentry” أن شبكة تضم أقارب حميدتي وشركاء مرتبطين بقيادة الدعم السريع تمتلك محفظة عقارية في دبي تقدر بنحو 24 مليون دولار، وتتكون من أكثر من 20 عقارًا. كما نشرت “الغارديان” نتائج تحقيق مشابه أفاد بأن هذه المحفظة تشمل عقارات فاخرة بقيمة 17.7 مليون جنيه إسترليني.
وتشمل العقارات، بحسب التقرير، فللًا في مجمع فاخر قرب مضمار “ميدان”، إضافة إلى شقق وأراضٍ، بينها قطعة أرض قرب نادي ترامب للجولف وشقة في برج خليفة، مع الإشارة إلى أن بعض هذه الأصول انتقلت عبر شركات عقارية يديرها أشخاص خاضعون للعقوبات الأمريكية.
حرب السودان وتمويل الشبكات المسلحة
يربط التقرير بين مسار الذهب وتصاعد الحرب في السودان، معتبرًا أن السيطرة على المعدن النفيس وفرت مصدر تمويل مستقلًا لشبكات مسلحة، بعيدًا عن رقابة الدولة ومؤسساتها المالية.
وكان خبراء أمميون قد أشاروا في تقاريرهم إلى أن قوات الدعم السريع اعتمدت على شبكات مالية معقدة وخطوط إمداد عابرة للحدود، بما ساعدها على شراء السلاح ودفع الرواتب وتوسيع نفوذها في دارفور ومناطق أخرى.
ويخلص التقرير إلى أن مسار الذهب السوداني لم يعد مجرد قضية تهريب أو فساد اقتصادي، بل أصبح ملفًا يرتبط مباشرة بالحرب والنفوذ الإقليمي والعقوبات الدولية، في وقت يدفع فيه السودانيون كلفة انهيار مؤسسات الدولة واستنزاف مواردها السيادية.







