ثورة الياسمين والعمل: كيف أعادت نساء روج آفا صياغة مفهوم الاقتصاد؟

لم يعد دور المرأة في شمال وشرق سوريا مجرد مشاركة عابرة، بل تحول إلى نظام اقتصادي مقاوم. عبر “مؤتمر ستار” واللجان الاقتصادية، نجحت النساء في كسر احتكار الرجال للمجال المالي، وتحويل الاقتصاد من وسيلة للربح المجرد إلى أداة لخدمة المجتمع وتحقيق الاستقلال الذاتي.
التعاونيات النسائية تفرض واقعا اقتصاديا جديدا لمواجهة التهميش في شمال وشرق سوريا
تتصدر التعاونيات النسائية المشهد الاقتصادي في مناطق شمال وشرق سوريا كأداة فعالة لانتزاع الحقوق المادية والاجتماعية بعيدا عن الهيمنة التقليدية. تؤسس هذه الكيانات التشاركية التي أطلقها مؤتمر ستار لمرحلة من الاستقلال الذاتي تتجاوز مجرد الربح المالي إلى إعادة صياغة دور المرأة في المجتمع. تسعى هذه المشاريع إلى كسر القيود التي فرضت لسنوات طويلة على النشاط الإنتاجي النسوي في المنطقة.
تؤكد كولي مراد منسقة لجنة الاقتصاد أن انطلاقة هذه الجهود تزامنت مع التحولات الجذرية في روج آفا رغم أن التأسيس الرسمي للهيئة كان بمثابة نقطة تحول في عام 2015. تواجه اللجنة تحديات جمة تتعلق بالثقافة المجتمعية التي حصرت إدارة الأموال والأسواق في يد الرجال فقط لزمن طويل. تعمل المبادرات الحالية على تجميع الطاقات النسائية للعمل بروح الفريق الواحد لمواجهة الفكر الأبوي الذي حاول إقصاء النساء عن الدورة الإنتاجية.
تحديات الذهنية الذكورية ومعارك إثبات الذات في الميدان الاقتصادي
خاضت المشاركات نضالا مريرا لإقناع المحيط الاجتماعي بقدرتهن على بناء اقتصاد مستقل ومنتج بعيدا عن الوصاية المباشرة. اصطدمت المحاولات الأولى برفض واسع وتشكيك في قدرة المرأة على إدارة المشاريع الكبرى لكن النتائج الملموسة بعد أشهر من العمل غيرت الموازين. منحت هذه النجاحات دافعا معنويا كبيرا للمنتجات وساهمت في تحطيم الصورة النمطية التي تربط القوة الاقتصادية بالرجل دون غيره في هذه المجتمعات.
استمرت النقاشات المطولة وزيارات التوعية لحل معضلات اجتماعية معقدة مثل ضرورة أخذ الإذن من الرجال قبل الانخراط في العمل الإنتاجي. تكللت هذه الجهود بإقناع مئات السيدات بأن العمل حق أصيل لا يحتاج لموافقة مسبقة طالما يهدف لتحقيق الكفاية الذاتية. تواصل لجان الاقتصاد النسائي نشاطها المكثف لتوسيع قاعدة المشاركة رغم العوائق الطبيعية والمناخية التي تؤثر بشكل مباشر على المخرجات النهائية للعمليات الزراعية والصناعية المحدودة.
واقع الإنتاج الزراعي وتوسع الخارطة التعاونية في مدن الجزيرة
تعتمد منطقة الجزيرة بشكل كلي على الزراعة البعلية التي ترتبط كميات إنتاجها بمعدلات الأمطار السنوية في ظل نقص الإمكانيات المروية. يبلغ عدد التعاونيات القائمة حاليا نحو 27 تعاونية تضم في صفوفها أكثر من 400 امرأة يعملن في ظروف مناخية متقلبة. تتوزع هذه المشاريع الطموحة بين مدن تل تمر والدرباسية والحسكة وعامودا إضافة إلى كركي لكي وديريك لضمان شمولية الاستفادة وتوزيع الدخل على أكبر قدر من الأسر.
تستهدف الخطط الحالية تعزيز ثقة المرأة بنفسها وتقوية شخصيتها القيادية لتكون عنصرا فاعلا لا يحتاج إلى مساعدات خارجية أو تبعية اقتصادية. أثبتت التجربة الميدانية أن الكثير من النساء حققن قفزات نوعية في مستوى الوعي والإدارة المالية خلال السنوات الماضية. تظل الاستمرارية في العمل هي الرهان الحقيقي لإثبات جدارة المرأة في قيادة التحولات الكبرى والحفاظ على مكتسبات الثورة التي وضعتها في مقدمة الصفوف الإنتاجية والسياسية.







