
وزارة الأوقاف تمتلك مليارات الجنيهات، بذلك تعُد الأوقاف أغنى وزارة في مصر قاطبة، بل أنها ربما تكون أغنى من المؤسسة العسكرية التي يُضرب بها المثل في كل بلدان العالم الثالث كأغنى مؤسسات الدول. ملايين الأسهم والسندات وغيرها من الأوراق المالية والأرصدة المالية والعقارات التي تعجز وزارة الأوقاف المصرية عن إحصائها، من أراضي فضاء وأطيان زراعية وعقارات سكنية من شقق وفيلات ومحلات وأسواق تجارية.. إلخ. كلها أملاك كانت حتى وقت قريب، تُتهم الوزارة بضياعها، أو إهمالها، لكونها قديمة قدم الدولة المصرية الحديثة، منذ عهد الأسرة العلوية.
الأوقاف تراجع موقف المزارعين في أرضها
في عام 2015، وعقب أحداث 30 يونيو 2013 بعدة أشهر، كان التوجه الرئاسي ينصب فيما يتعلق بوزارة الأوقاف، على ضرورة اهتمام الوزارة بأموال الوقف بشكل جاد وقوى. من هنا قامت الوزارة بطرح مشروع كبير لتعظيم إيرادات الوقف، وكان أهم ما تضمنه هذا المشروع هو إعادة تقييم الوقف الخيري المرتبط بالأطيان الزراعية المملوكة للوزارة. فبعد أن ألغي الوقف الأهلي بحكم المرسوم بقانون رقم 180 لسنة 1952 الصادر في 14 سبتمبر من نفس العام، لم يتبق للوزارة سوى الوقف الخيري فقط.
والوقف الخيري، هو عبارة عن وقف الأشخاص الطبيعية لممتلكات، قد تكون أموالا أو عقارات أو أطيانا، لصالح مؤسسات اعتبارية بعينها، كالمساجد والمستشفيات ودور الأيتام وغيرها، أو لصالح أشخاص طبيعية تتميز بالعمومية كالفقراء والمحتاجين. والوقف الخيري لا يمكن إلغاؤه، خاصة ما يتعلق منه بدعم المساجد.
من هنا وعقب الإحصاءات الدقيقة، تبين لوزارة الأوقاف أن هناك نحو 90 ألف مزارع خاضعين لها، وهؤلاء هم القائمون علميا بتأجير الأرض الزراعية الموقوفة لصالح الوزارة، وأن الأخيرة تقوم بإنفاق ريع هذا الوقف على المؤسسات الاعتبارية والأشخاص الطبيعية على النحو السالف ذكره، وأن هؤلاء المستأجرين ومن يعولونهم يفوق عددهم على نصف مليون نسمة. هؤلاء المزارعون هم من يقومون بزراعة أرض الوقف المقدر مساحتها بنحو 105 آلاف فدان موزعة على ربوع محافظات مصر.
الأوقاف تهمل الجهات الموقوف لها الأطيان
من هنا، بدأت وزارة الأوقاف تعاقب الفلاحين المزارعين في أراضي الوقف، بعد مدى طويل من الإهمال، استمر لعشرات السنوات. فمنذ أن بدأ الوقف الخيري، ظلت الوزارة تميز الفلاح بشكل كبير، بأن تمنح صاحب الوقف الأولوية في استئجار الأرض الزراعية محل الوقف، وكان هذا يتم بأسعار زهيدة، ربما كانت تنخفض عن أسعار أراضي الإصلاح الزراعي نفسها، وهي الأراضي التي وزعتها الثورة على الفلاحين المعدمين عقب قيامها في 23 يوليو 1952.
ونظرا لزيادة المساحات الزراعية الموقوفة، وعلى الرغم من أن المال المُحصل عن الفدان كان زهيدا، إلا أن مجموعه كان كبيرا، من هنا، فإن وزارة الأوقاف التي كان يُفترض أن تقوم بإنفاق المال المحصل لصالح الجهة الموقوفة له، وهي مساجد بعينها، أو مستشفيات محددة، أو خلافه، جمعت تلك الأموال واستحوذت عليها، وتركت أغلب تلك المؤسسات التي أوقف المال لأجلها في حالة شبة خراب، وهو الوضع الذي لا زال قائما حتى اليوم تقريبا، ويمكن ملاحظته بالنظر إلى حال المساجد والمستشفيات في ريف مصر، والتي أوقف لها ريع فدان أو أكثر أو أقل لإصلاح حالها، وجعلها قابلة لتقديم خدمة صلاة الجماعة في بيوت الله للناس أو خدمة العلاج والتشافي أو خلافه، سواء بسبب تهالك المبنى ودورات مياهه أو سوء دهانه أو فرشه أو غيره، مما يقدمه من احتياجات لسكان الحي أو القرية المُستفيدة.
الأوقاف تنتقم من الفلاحين بعد إهمال طويل المدى
اليوم تقوم وزارة الأوقاف بالانتقام من الفلاحين، بإعادة تقييم إيجار الأطيان الزراعية المُوقوفة بمبالغ كبيرة. ففي العام 2020 قامت وزارة الأوقاف ووزارة الزراعة، باعتبار الأولى قيّمة على مال الوقف من الأطيان، والثانية قيّمة على أطيان الإصلاح الزراعي، بإعادة تقييم إيجار الفدان للمستأجرين، وهو ما جعل الفلاح أو المزارع، يشعُر بإرهاق شديد. وزارة الزراعة التي تهيمن على 200 ألف فدان، قامت بوضع أسعار معقولة لإيجار أطيان الإصلاح الزراعي. أما وزارة الأوقاف، فقد بالغت بشدة في تحديد قيمة إيجار الفدان. ففي حين حددت وزارة الزراعة مبالغ إيجار للمزارعين نظير إيجار الفدان، بشكل يتماشى مع السعر الحر الذي يستأجر به المزارعون من الملاك في الأطيان العادية، قامت وزارة الأوقاف بالوصول بهذا السعر بما يقرب من ضعف السوق الحر، حتى أن هناك بعض الأفدنة في وسط الدلتا قد حدد لها مبلغ 55 ألف جنيه للفدان سنويا نظير قيام الفلاح (المستأجر) بزراعتها. جدير بالذكر، أن متوسط إيجار الفدان الواحد اليوم بالسعر الحر هو 36 ألف جنيه، بما يوازي 1500 جنيه للقيراط الواحد.
وليت وزارة الأوقاف توقفت عند هذا الحد، بل إنها قامت بالإيعاز للجمعيات الزراعية في المناطق محل الأطيان الزراعية، بعدم صرف المستلزمات الزراعية للمزارعين، من أسمدة وبذور وغيرها، إلا بعد أن يُقدم الفلاح مخالصة من وزارة الأوقاف بدفع كامل القيمة الإيجارية السنوية للوزارة.
الأوقاف تهمل ثرواتها الحكر
المهم في تلك الخطوة، أن الأوقاف قد غفلت سنوات عن الأطيان الموقوفة، وهبت اليوم لتنتقم من الفلاح القائم على إمداد البلاد بالمنتجات والأغذية الزراعية، في حين أنها أغفلت ولا تزال تغفل عديد الحقوق الوقفية المسماة بالحكر، والتي تخص المتاجر التي تمتلكها الوزارة في العاصمة وفي المدن المصرية المختلفة. جدير بالذكر، أن هناك مئات الآلاف من المتاجر التي تعجز الأوقاف حتى اليوم عن إحصائها دون سبب مقبول، وذلك بغرض الاستفادة من تلك الثروة العقارية الضخمة.
هل ترفع الأوقاف يدها عن الفلاح وتلتفت للمتاجر؟
بعد العرض المفصل لتلك المشكلة الكبيرة، يبقى السؤال: هل ستقوم وزارة الأوقاف باستنزال القيمة الإيجارية السنوية للفدان، كما فعلت وزارة الزراعة، أم أنها تُصر على موقفها؟
واحد من أهم الأمور التي يتحتم أن تتنبه إليها وزارة الأوقاف، هي أنها لا يجب أن تستعدي الفلاح على الدولة. الواقع الحالي يشير إلى أن هناك ارتفاعا كبيرا في أسعار الأسمدة ومستلزمات الإنتاج، ناهيك عن أن ارتفاع أسعار الطاقة، وخاصة السولار اللازم لإدارة المعدات الخاصة بالري والحرث والحصاد ونقل الحاصلات، إضافة إلى عدم رفع الدولة أسعار توريد تلك الحاصلات، خاصة القمح والذرة والقطن والقصب، وهي المحاصيل الأربعة الرئيسة للفلاح المصري، بشكل مُرضي للفلاح، مقابل ارتفاع أسعار الخضروات والفاكهة والحبوب في أسواق التجزئة بالأسواق، أي في الأيدي التي تلي أيدي الفلاح، كل ذلك يجعل الضغط على الفلاح كبيرا، وهي أمور لا ينقصها أن تقوم وزارة الأوقاف هي الأخرى بالإجهاز على ما تبقى من قدرات للفلاح.
الأوقاف لديها ملفات كثيرة مهملة عن قصد، وهي ملفات تتعلق بأوقاف المناطق التجارية، عساها تلتفت إليها وتُحصيها، بدلا من أن تستسهل وتمسك بثوب الطرف الأضعف والأولى بالرعاية.







