مقالات وآراء

د. أيمن خالد: هل أصبح العراق منصة للحرب القادمة على إيران؟

ما كشفته صحيفة وول ستريت جورنال بشأن إنشاء إسرائيل قاعدة عسكرية سرية داخل الأراضي العراقية، في عمق الصحراء الممتدة نحو النجف، قبل الحرب مع إيران، يمثل تطورًا بالغ الخطورة يتجاوز حدود “التسريب الصحفي”

قاعدة للاحتلال الإسرائيلي في صحراء النجف

لم يعد العراق اليوم مجرد دولة تقع على هامش الصراعات الإقليمية، بل يبدو أنه يتحول تدريجيًا إلى جزء من بنيتها العملياتية والعسكرية. وما كشفته صحيفة وول ستريت جورنال بشأن إنشاء إسرائيل قاعدة عسكرية سرية داخل الأراضي العراقية، في عمق الصحراء الممتدة نحو النجف، قبل الحرب مع إيران، يمثل تطورًا بالغ الخطورة يتجاوز حدود “التسريب الصحفي” إلى مستوى إعادة تعريف موقع العراق في خرائط الصراع الإقليمي.
فبحسب المعطيات المتداولة، قامت إسرائيل في تشييد قاعدة عسكرية سرية داخل المناطق النائية من الصحراء العراقية، وظلت تعمل بسرية تامة لعدة أشهر، ضمن ترتيبات أمنية ولوجستية معقدة، وبعلم الولايات المتحدة وفقًا للتقرير.
وإذا كانت هذه المعلومات صحيحة، فنحن أمام تحول استراتيجي خطير جدًا، لأن الأمر لم يعد يتعلق بعبور طائرات أو استخدام أجواء، بل بوجود بنية عملياتية إسرائيلية كاملة داخل العراق.
المعلومات المتداولة تشير إلى أن القاعدة لم تكن موقعًا مراقبًا فقط، بل مركزًا متقدمًا للعمليات، وتشمل مهامها:
تقديم الدعم اللوجستي والجوي للعمليات ضد إيران
تمركز قوات خاصة إسرائيلية داخل العمق العراقي
تنفيذ مهام استخباراتية وجمع معلومات حساسة
تجهيز فرق إنقاذ للطيارين في حال إسقاط طائراتهم
تأمين خطوط دعم للعمليات بعيدة المدى
وهذا يعني أن العراق، وفق هذا التصور، لم يعد مجرد ممر جوي للحرب، بل أصبح جزءًا من بنيتها التنفيذية.

ثانيًا: ستة أسئلة تهز مفهوم السيادة العراقية

إذا صحّ هذا السيناريو، فإن العراق أمام واحدة من أخطر الوقائع منذ 2003، لأن مجرد وجود قاعدة إسرائيلية داخل أراضيه يفتح سلسلة من الأسئلة الثقيلة:
1- كيف أُنشئت القاعدة دون علم الدولة العراقية؟
هل كانت المؤسسات العراقية عاجزة عن اكتشافها؟ أم أن تعدد مراكز القرار جعل السيطرة على الأرض منقوصة؟
2- كيف تحولت الصحراء العراقية إلى مساحة عمليات مفتوحة؟
وهل أصبحت بعض المناطق خارج السيطرة السيادية الفعلية؟
3- ما حدود الدور الأمريكي؟
هل كانت واشنطن مجرد طرف “يعلم”؟ أم شريكًا في الترتيب والحماية؟
4- لماذا العراق تحديدًا؟
هل بسبب موقعه الجغرافي المثالي تجاه إيران؟ أم بسبب هشاشة بنيته الأمنية والسياسية؟
5- أين تقف الحكومة العراقية؟
وهل تملك القدرة أصلًا على التحقيق أو المواجهة في ملف بهذا الحجم؟
6- هل أصبح العراق جزءًا من الحرب القادمة؟
وهل تحوّل من ساحة نفوذ إلى منصة عمليات إقليمية؟
لكن السؤال الأخطر يبقى:
إذا كانت القاعدة تمتد في عمق صحراء النجف، فإلى أي حد أصبحت الجغرافيا العراقية مفتوحة أمام ترتيبات عسكرية لا يعلم بها العراقيون أنفسهم؟

ثالثًا: من “ساحة نفوذ” إلى “منصة عمليات”

لسنوات طويلة، كان العراق يُوصَف بأنه ساحة نفوذ متداخلة بين الولايات المتحدة وإيران. لكن هذه المعلومات—إذا ثبتت—تنقل العراق إلى مستوى أكثر خطورة:
من ساحة صراع… إلى بنية عملياتية داخل الصراع نفسه.
وهنا تتغير طبيعة التهديد بالكامل.
فالقواعد العسكرية السرية لا تُنشأ من أجل الاستعراض، بل من أجل:
التحضير الطويل
التمركز المسبق
وتقليل زمن الاستجابة العسكرية
وهو ما يعني أن العراق دخل فعليًا ضمن الحسابات العسكرية المباشرة لأي مواجهة إقليمية واسعة.

رابعًا: لماذا صحراء النجف؟

الصحراء الممتدة نحو النجف تمثل منطقة ذات أهمية استراتيجية:
مساحات واسعة قليلة السكان
قرب نسبي من مسار العمليات تجاه إيران
بيئة مناسبة للتحرك اللوجستي والعسكري
صعوبة المراقبة الكاملة
لكن الأخطر أن الحديث عن النجف لا يحمل بعدًا جغرافيًا فقط، بل سردية دينية وسياسية حساسة داخل العراق والمنطقة، ما يجعل أي نشاط عسكري سري فيها بالغ الخطورة على مستوى التداعيات.

خامسًا: هل يدخل العراق دائرة الرد الإيراني؟

هنا تبدأ أخطر الفرضيات.
إيران سبق أن تعاملت مع أي دولة تُستخدم أراضيها أو قواعدها ضدها باعتبارها جزءًا من مسرح الحرب. وقد رأينا كيف تعرضت منشآت نفطية ومرافق حيوية في الخليج للاستهداف خلال مراحل التصعيد السابقة، بسبب الوجود الأمريكي أو التعاون العسكري مع واشنطن.
فإذا اقتنعت طهران بأن الأراضي العراقية أصبحت منصة عمليات إسرائيلية–أمريكية، فإن العراق قد يجد نفسه أمام سيناريو بالغ الخطورة:
استهداف منشآت نفطية
ضرب موانئ حيوية
استهداف طرق إمداد وقواعد لوجستية
أو تحويل العراق إلى ساحة ردع متبادل بالنار
وهنا تصبح الأزمة وجودية، لأن العراق لا يمتلك حتى الآن:
قرارًا أمنيًا موحدًا
ولا منظومة ردع متماسكة
ولا استقرارًا سياسيًا يسمح بإدارة حرب إقليمية بهذا الحجم

الخلاصة

إذا كانت هذه المعطيات صحيحة، فإن العراق دخل مرحلة جديدة أخطر بكثير من مجرد التجاذبات السياسية الإقليمية.
نحن أمام احتمال أن يتحول البلد إلى:
منصة عمليات
وساحة ردود فعل
وميدان تصفية حسابات إقليمية مفتوحة
وفي هذه الحالة، لن يكون السؤال:
من يسيطر على العراق؟ بل: من يدير الحرب فوق أرضه… ومن سيدفع ثمنها من العراقيين؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى