ملفات وتقارير

مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية يصدر ورقة تحليلية بعنوان: الغرب والإسلاميون في السلطة.. معايير مزدوجة أم حسابات المصالح؟

ضمن سلسلة أوراق الإسلاميين والتحولات الدولية – يونيو 2025

نشر مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية ورقة تحليلية بعنوان “الغرب والإسلاميون في السلطة: معايير مزدوجة أم حسابات المصالح؟”، تناولت موقف الغرب من تجارب إسلامية مختلفة وصلت إلى الحكم أو اقتربت من مراكز القرار، من طالبان في أفغانستان، إلى الحكومة الثورية في سوريا، مرورًا بحكم الإخوان المسلمين في مصر، وتجربة حركة النهضة في تونس.

تمهيد: ازدواجية المعايير أم واقعية استراتيجية؟

لطالما اتُّهم الغرب بازدواجية المعايير في مواقفه من الحركات الإسلامية، خاصة حين تصل إلى الحكم أو تقترب من مراكز القرار. ففي حين دعم أو صمت تجاه صعود بعض الحركات “المصنّفة إسلامية” في بيئات معينة، عمل على تقويض تجارب أخرى، بل وبارك انقلابات عسكرية لإسقاطها.
والسؤال المركزي هنا: ما الذي يحدد الموقف الغربي من الإسلاميين؟ هل هي طبيعة الحركة الإسلامية نفسها؟ أم موقعها الجغرافي؟ أم مدى ارتباطها بالمنظومة الدولية؟
من هنا تنطلق هذه الورقة لرصد التناقض الظاهر بين تعامل الغرب مع:
حكومة طالبان في أفغانستان.
الحكومة الثورية في سوريا بعد انتصار الثورة وقيادة أحمد الشرع.
حكم الإخوان المسلمين في مصر بعد 2012.
حكم حركة النهضة في تونس بعد الثورة.
وتهدف الورقة إلى تحليل دوافع الغرب، وتفكيك محددات القبول والرفض، وفهم ما إذا كانت المسألة أيديولوجية أم براغماتية صِرفة.

أولًا: طالبان – الرفض المستمر رغم الأمر الواقع

بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان، عادت طالبان إلى الحكم بقوة الأمر الواقع. ورغم تحسن الأمن، وقدرة الحركة على بسط السيطرة، لم يحظَ نظامها بأي اعتراف رسمي غربي. فُرضت عليها العقوبات، وجُمّدت أصولها، وقُيّدت المساعدات، وظل الإعلام الغربي يُعيد إنتاج صورتها القديمة باعتبارها نظامًا استبداديًا قمعيًا.
الذريعة الغربية الأبرز كانت ملف الحريات وحقوق المرأة، والروابط السابقة بالحركات الجهادية العابرة للحدود. لكن الحقيقة الأعمق تتصل بموقع أفغانستان الجيوسياسي، وغياب أي دور وظيفي لطالبان في مصالح الغرب.
كما أن واشنطن لم تنسَ ماضي طالبان في دعم القاعدة. والخشية من تحوّل كابول إلى محور نفوذ صيني–روسي–إيراني هي ما يفسر استمرار العزل.

ثانيًا: الحكومة السورية الثورية – من الاحتواء إلى الاعتراف الضمني

على مدى عقد كامل، خاضت الثورة السورية نضالًا صعبًا ضد النظام المدعوم إيرانيًا وروسيا. ونجحت أخيرًا – بدعم شعبي وتركي – في تحرير كامل الأراضي السورية من سيطرة النظام. ويجري إعادة بناء الدولة عبر حكومة ثورية بقيادة أحمد الشرع، بدعم شعبي كبير.
ورغم ماضي هيئة تحرير الشام المرتبط بالجهاد العالمي، فإنها تبنّت تحوّلًا واضحًا نحو المحلية والبراغماتية. وعملت على ضبط الأداء الأمني والإداري، وتقديم نموذج حكم واقعي، منفتح إعلاميًا، ومتفاعل سياسيًا.
وفي هذا الإطار، بدأ الغرب يعترف ويتعامل مع الحكم الجديد ويرفع عنه العقوبات. وزادت اللقاءات الرسمية وغير الرسمية، وانخفضت حملات التشويه، وظهر ميل لدى بعض العواصم الغربية لاحتواء التجربة الجديدة لا إسقاطها.

أسباب الاحتواء الغربي للتجربة السورية الجديدة

يرتبط هذا التحول الغربي تجاه الحكومة السورية الثورية بعدة أسباب رئيسية:
وجود ضمانة تركية سعودية قطرية، ودعم واضح للترتيبات السياسية والأمنية.
إعلان الحكومة الثورية التزامها بعدم تصدير الثورة أو تهديد الجوار.
غياب البدائل الواقعية أمام الغرب في ظل انهيار النظام السوري.
الدور الجديد للحكومة الجديدة في الحد من تمدد النفوذ الإيراني واحتواء فوضى التنظيمات.

ثالثًا: الإخوان في مصر – من التمكين إلى السقوط المدعوم

عقب ثورة يناير 2011، وصل الإخوان إلى الحكم عبر انتخابات حرة ونزيهة. وأصبحوا أول حركة إسلامية تصل للحكم في دولة مركزية كبرى.
لكن، لم يلبث أن تم الانقلاب عليهم في 2013 بدعم إقليمي، وسكوت دولي يُعد بمثابة ضوء أخضر للانقلاب. الولايات المتحدة اكتفت بتصريحات دبلوماسية ضبابية، ثم مضت في التعاون مع النظام الجديد دون شروط ديمقراطية.
الأمر ذاته حدث في أوروبا، رغم انتهاكات حقوق الإنسان الصارخة. فقد بُني الموقف الغربي من الإخوان على اعتبارات عدة، أبرزها:
تخوفات من مشروع إسلامي إقليمي متجاوز للحدود.
قلق من علاقات غير متوازنة مع إسرائيل، ودعم ضمني للمقاومة.
إدراك أن حكم الإخوان اعتمد على شرعية انتخابية دون حلف دولي أو تصور دبلوماسي واضح.
هشاشة الأداء السياسي للإخوان في إدارة الدولة، وغياب رسائل طمأنة واضحة للغرب.

رابعًا: النهضة في تونس – شراكة محدودة ونهاية هادئة

مثّلت النهضة نموذجًا براغماتيًا نسبيًا في ما بعد الثورات. ونجحت في عقد توافقات مع قوى علمانية للحفاظ على المسار الانتقالي.
قدّمت الحركة خطابًا مدنيًا واندماجيًا نال دعمًا غربيًا محدودًا باعتبارها “نموذج الإسلام الديمقراطي”. ومع ذلك، لم يتمسّك الغرب بهذه التجربة حين أطاح بها قيس سعيد بانقلاب ناعم، بل اكتفى بردود دبلوماسية فاترة، وواصل التعاون مع السلطة الجديدة.
وتعود أسباب هذا الموقف إلى عدة عوامل، منها:
ضعف القاعدة الجماهيرية لحركة النهضة بعد سنوات من التنازلات.
تراجع صورتها في الإعلام المحلي والدولي.
تمكُّن قيس سعيد من تقديم نفسه كشريك للغرب في ملفي الهجرة ومكافحة الإرهاب.

خامسًا: المقارنات والدروس من النماذج الأربعة

تكشف النماذج الأربعة أن الهوية ليست معيارًا ثابتًا في الموقف الغربي من الإسلاميين. فرغم أن طالبان وهيئة تحرير الشام تنتميان لنفس الجذر العقدي، جرى التعامل مع الأولى بالعزل، والثانية بالاحتواء. وما يصنع الفرق هو الجغرافيا، والأداء، ومدى الاستفادة الغربية من وجود الحركة.
كما تكشف التجارب أن الشرعية الانتخابية وحدها لا تحمي. ففي مصر وتونس، لم تشفع صناديق الاقتراع، لأن الغرب رأى أن تلك التجارب لم تضمن مصالحه أو الاستقرار، ولم تقدم مشروعًا متكاملًا للحكم.
ويبدو الموقع الجيوسياسي عاملًا حاسمًا في تحديد الموقف الغربي. فسوريا تُعد نقطة توازن دولي وإقليمي، بينما تونس وأفغانستان تقعان على هامش دوائر النفوذ، ومصر – رغم مركزيتها – كانت تجربة الإخوان فيها غير متكاملة وظيفيًا.
أما الخطاب السياسي وقدرته على التكيف، فكانا من العوامل الفارقة بين التجارب. الحكومة السورية الجديدة قدمت خطابًا براغماتيًا قابلًا للاحتواء، بينما تمسكت طالبان برؤية داخلية غير تواصلية، وعجز الإخوان عن تقديم سردية دولية فاعلة.
وتؤكد الورقة أن الوظيفة تأتي فوق الهوية في الحسابات الغربية. فالغرب لا يعادي الإسلاميين لكونهم إسلاميين، بل لغياب الفائدة منهم في معادلة المصالح. وحين تؤدي الحركة الإسلامية دورًا يخدم التوازن الإقليمي والأمني، تُحتوى – وإن كانت جذرية.

سادسًا: ما الذي على الحركات الإسلامية أن تفهمه؟

تخلص الورقة إلى أن الحركات الإسلامية مطالبة بالانتقال من منطق الصراع مع الخارج إلى منطق الفهم الاستراتيجي لمعادلات القوة الدولية.
كما تؤكد أهمية تطوير خطاب سياسي واقعي لا يُفرّط في الثوابت، لكنه يتعامل مع العالم بلغة المصالح، والشراكات الذكية.
وتشدد الورقة على ضرورة بناء حواضن دبلوماسية وشعبية مزدوجة، تفهم الغرب وتُطمئن جمهور الداخل.
كما تلفت إلى أن إدارة الدولة تتطلب مشروعًا شاملًا، لا مجرد شعارات أو نوايا حسنة.

خاتمة: بين القبول والتهميش – لا قداسة ولا قطيعة

التجارب الأربعة تمثل مشهدًا مركبًا لتفاعل الغرب مع الإسلاميين: من العزل في حالة طالبان، إلى الاحتواء في حالة الحكومة السورية، إلى الإطاحة في حالة الإخوان، وصولًا إلى التهميش الهادئ في حالة النهضة.
والمعيار، بحسب الورقة، هو دائمًا: هل تملك هذه التجربة ما يجعلها مفيدة في معادلة المصالح الغربية؟
فالتعامل مع الغرب لا يُبنى على حسن النوايا أو نقاء الهوية، بل على مدى وضوح المشروع، وقوة الأداء، وعمق العلاقات، ومرونة الخطاب.
والدرس الأهم أن الوعي بالمعادلات العالمية هو شرط لبقاء التجربة، لا إخلاصها فقط.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى