كريم خان: مستعد للتعاون مع أي تحقيق بشأن تهديد كاميرون للمحكمة الجنائية الدولية

أكد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان استعداده للتعاون مع أي تحقيق رسمي بشأن اتهامات تتعلق بتهديد وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد كاميرون له عام 2024، على خلفية مسار إصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير حربه السابق يوآف غالانت.
وقال خان إن المكالمة التي تلقاها من كاميرون في أبريل/نيسان 2024 كانت “صعبة للغاية”، مشيرًا إلى أنها تضمنت رسائل بشأن عواقب محتملة إذا مضى في طلب مذكرات التوقيف، بما في ذلك فقدان الدعم السياسي للمحكمة الجنائية الدولية.
“لم يترك لي مجالًا للشك”
وأوضح خان أن كاميرون لم يكن راضيًا عن مسار تحركات الادعاء أمام المحكمة، معتبرًا أن الأمر كان سيخلق مشكلات سياسية للحكومة البريطانية وحزب المحافظين الحاكم آنذاك.
وأضاف خان أن وزير الخارجية البريطاني السابق أوصل له بوضوح أن بريطانيا، باعتبارها من كبار ممولي المحكمة، قد ترى في المضي قدمًا نحو مذكرات التوقيف سببًا لأزمة حقيقية، مؤكدًا أن ما حدث كان يحمل هدفًا واضحًا يتمثل في محاولة التأثير على قرار الادعاء.
وجاءت المكالمة قبل أسابيع من تقدم خان بطلب إصدار مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت، وهي المذكرات التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية لاحقًا في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بعد أن قالت إن لديها أسبابًا معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهما عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.
مطالبات بتحقيق مستقل وشفاف
وتصاعدت المطالب داخل بريطانيا بفتح تحقيق رسمي في الواقعة، بعدما طالب نواب بريطانيون وقيادات سياسية بإجراء تحقيق مستقل لكشف حقيقة ما جرى في المكالمة بين كاميرون وخان.
وأكد خان أنه لا يقرر ما إذا كان ينبغي فتح تحقيق رسمي من عدمه، لكنه شدد على أنه سيدرس الأمر ويتعاون إذا قررت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم البريطاني استدعاءه للإدلاء بشهادته.
وقال خان إن حماية القضاة والمدعين العامين يجب ألا تقتصر على المستوى الداخلي داخل الدول، بل يجب أن تمتد أيضًا إلى المؤسسات الدولية، معتبرًا أن احترام القانون الدولي واستقلال القضاء الدولي يمثلان اختبارًا حقيقيًا لالتزام الدول بسيادة القانون.
اختلاف في الروايات حول مضمون المكالمة
وفي المقابل، نقلت روايات مقربة من كاميرون أن المكالمة كانت حادة بالفعل، لكنها نفت أن يكون قد وجه تهديدًا مباشرًا إلى خان، معتبرة أنه كان ينقل مخاوف داخل حزب المحافظين بشأن احتمال وقف تمويل المحكمة والانسحاب من نظام روما الأساسي.
ورد خان على هذه الرواية بالقول إن “الروايات قد تختلف”، لكنه أشار إلى أن أشخاصًا آخرين كانوا يستمعون إلى المكالمة من الجانبين، مؤكدًا أن مضمونها كان واضحًا في اتجاه التأثير على قرار الادعاء.
ويرى خبراء في القانون الدولي أن أي تدخل يهدف إلى التأثير على عمل المحكمة الجنائية الدولية قد يثير تساؤلات قانونية بموجب المادة 70 من نظام روما الأساسي، التي تتعلق بالجرائم الماسة بإقامة العدل داخل المحكمة.
خان: بريطانيا يجب ألا تفقد التزامها بالمعاهدات
وأعرب خان عن حزنه الشديد بعد المكالمة، مؤكدًا أنه كان يتوقع موقفًا مختلفًا من مسؤول بريطاني سابق شغل منصب رئيس الوزراء.
وقال خان إنه يكن احترامًا كبيرًا للنظام القانوني البريطاني، ويعتبر نفسه مدينًا له، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن بريطانيا، رغم تراجع مكانتها العسكرية والاقتصادية مقارنة بالماضي، يجب ألا تفقد التزامها بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية.
وأضاف أن قيمة الدول لا تُقاس فقط بقوتها، بل بمدى احترامها لتعهداتها، مؤكدًا أن “الكلمة عهد” يجب أن تنطبق كذلك على المستوى الدولي.
ضغوط أوسع على المحكمة الجنائية الدولية
وتأتي تصريحات خان في سياق ضغوط سياسية وقانونية متصاعدة واجهتها المحكمة الجنائية الدولية منذ تحركها في ملف الحرب على غزة، لا سيما بعد إصدار مذكرات التوقيف بحق نتنياهو وغالانت.
وكان خان قد دخل في إجازة مطولة منذ مايو/أيار الماضي، بانتظار نتائج تحقيق أممي في اتهامات متعلقة بسوء سلوك جنسي، بينما تحدثت تقارير لاحقة عن مراجعة قضائية خلصت إلى عدم وجود ما يثبت ارتكابه مخالفة، في وقت ظلت القضية محل مراجعة داخل جمعية الدول الأطراف بالمحكمة.
ويفتح الجدل حول مكالمة كاميرون وخان بابًا جديدًا أمام التساؤلات بشأن حدود الضغط السياسي على مؤسسات العدالة الدولية، ومدى قدرة المحكمة الجنائية الدولية على ممارسة اختصاصها باستقلالية في القضايا المرتبطة بالحرب على غزة والمساءلة عن الانتهاكات الجسيمة.







