الإمارات تموّل قوة شرطة جديدة في غزة وسط مخاوف من تقويض الوحدة الفلسطينية

حذرت منصة استخبارية من تداعيات مشروع أمني جديد في قطاع غزة، قالت إنه يحظى بدعم وتمويل إماراتي، ويستهدف إعادة تشكيل البنية الأمنية والسياسية في القطاع بما يتوافق مع الأولويات الإسرائيلية والأمريكية، وسط مخاوف من تقويض الوحدة الفلسطينية وإقصاء فصائل المقاومة عن المشهد.
ويأتي الجدل بعد تقارير تحدثت عن تحويل الإمارات 100 مليون دولار إلى “مجلس السلام” المدعوم من الولايات المتحدة، لتمويل تدريب ونشر قوة شرطة فلسطينية جديدة في غزة، ضمن إطار إداري انتقالي لما بعد الحرب الإسرائيلية على القطاع. وذكرت تقارير إعلامية أن القوة المقترحة قد تضم نحو 27 ألف عنصر فلسطيني، مع تدريبهم في مصر والأردن بإشراف شركة أمنية إماراتية.
مشروع أمني حساس في غزة
واعتبرت منصة “Dark Box” أن القرار الإماراتي بتمويل ودعم إنشاء قوة شرطة فلسطينية جديدة في غزة يمثل أحد أكثر التطورات حساسية سياسيًا في المشهد المتغير داخل القطاع، خاصة بعد حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية التي استمرت لأكثر من عامين ونصف.
وأشارت المنصة إلى أن المبادرة أثارت جدلًا إقليميًا واسعًا، ليس فقط بسبب تداعياتها الأمنية، وإنما أيضًا لما تكشفه عن البنية السياسية الناشئة التي يجري تصميمها لغزة بعد الحرب.
ويرتكز المشروع، وفق ما أوردته المنصة، على تحالف معقد يضم الولايات المتحدة والإمارات وشركاء إقليميين مثل مصر والأردن، إلى جانب إطار دولي أوسع يسعى إلى إعادة تشكيل هياكل الحكم والأمن داخل غزة.
تدريب 27 ألف شرطي فلسطيني
وبحسب الخطة المتداولة، سيتم تجنيد نحو 27 ألف شرطي فلسطيني، والتحقق من خلفياتهم، وتدريبهم تحت إشراف دولي، على أن تضطلع شركة أمنية إماراتية بدور محوري في بناء وتنظيم هذه القوة.
وترى المنصة أن أهمية المبادرة لا تقتصر على الإصلاح الأمني، بل تمتد إلى أهداف استراتيجية أوسع، إذ تشير التصريحات المرتبطة بالمشروع إلى أن القوة الجديدة ستعمل ضمن آلية حكم انتقالية تهدف إلى مركزة السلاح تحت سلطة مدنية واحدة، وتفكيك الفصائل المسلحة القائمة داخل غزة.
ودفع هذا الطرح عددًا من المراقبين والفصائل الفلسطينية إلى تفسير المبادرة باعتبارها جزءًا من جهد أوسع لإعادة هيكلة المشهد السياسي والعسكري في غزة بما يتماشى مع الأولويات الأمنية الإسرائيلية والأمريكية.
من إعادة الإعمار إلى الهندسة الأمنية
ويرى منتقدون أن المشروع يمثل تحولًا واضحًا من منطق إعادة الإعمار الإنساني إلى هندسة أمنية تُدار من الخارج.
فبدلًا من التركيز أولًا على إنهاء الدمار، وإعادة بناء البنية التحتية، ومعالجة النزوح الجماعي، يبدو أن الأولوية تُمنح لإنشاء جهاز أمني قادر على ضبط البيئة الداخلية لغزة تحت إشراف دولي.
وزاد تدخل جهات مدعومة خارجيًا وآليات تدقيق أمنية من المخاوف بشأن طبيعة المبادرة، إذ يرى معارضوها أنها لا تتعلق بالحكم الذاتي الفلسطيني بقدر ما تهدف إلى إنتاج نظام سياسي وأمني مقبول لدى إسرائيل وحلفائها.
جدل حول الفحص الأمني الإسرائيلي
ويُعد دور الفحص الأمني الإسرائيلي أحد أكثر جوانب الخطة إثارة للجدل.
وتشير التقارير إلى أن موظفين مدنيين فلسطينيين سابقين يرغبون في الانضمام إلى القوة الجديدة سيحتاجون إلى موافقة عبر إجراءات تدقيق أمني إسرائيلية، وهو ما يعتبره منتقدون تحويلًا للمشروع من مبادرة شرطية محلية إلى بنية أمنية متأثرة بالنفوذ الإسرائيلي.
ويرى هؤلاء أن اشتراط موافقة إسرائيلية على الأفراد الفلسطينيين داخل غزة يكشف عن نظام ناشئ مصمم حول المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، بدلًا من بناء سلطة فلسطينية مستقلة.
دور إماراتي يتجاوز المساعدات الإنسانية
وقالت المنصة إن الدور الإماراتي في هذه العملية أصبح مثيرًا للجدل بشكل خاص، بعدما عززت أبوظبي حضورها كفاعل محوري في تخطيط غزة ما بعد الحرب.
وبحسب المنصة، لم يعد الدور الإماراتي مقتصرًا على الدبلوماسية الإنسانية أو المساعدات المالية، بل امتد إلى الانخراط المباشر في هياكل الحكم والأمن داخل القطاع.
ويرى منتقدون في المنطقة أن هذا النهج يعكس توجهًا إماراتيًا أوسع للتوافق مع الرؤى الغربية والإسرائيلية بشأن الاستقرار الإقليمي، حتى لو كانت هذه الرؤى تفتقر إلى قبول فلسطيني واسع، وتواجه رفضًا في قطاعات كبيرة من الرأي العام العربي.
مخاوف من تفتيت غزة جغرافيًا وسياسيًا
وازدادت حدة الجدل بعد تقارير تحدثت عن مناقشة خطط تتضمن إنشاء مجمعات سكنية معزولة للفلسطينيين في أجزاء من غزة الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.
ورأى معارضون أن هذه المناقشات تأتي ضمن نموذج أوسع قد يهدد بتفتيت غزة جغرافيًا وسياسيًا، عبر إنشاء مناطق منفصلة تخضع لإشراف خارجي، بعيدًا عن أي سيادة فلسطينية حقيقية.
في المقابل، يرى مؤيدو المبادرة أن غزة تحتاج إلى مؤسسات أمنية فعالة لمنع الفوضى، وإعادة النظام، وتسهيل إعادة الإعمار بعد الدمار الواسع الذي خلفته الحرب الإسرائيلية.
ويؤكد هؤلاء أن انهيار أجهزة الشرطة والهياكل الإدارية خلق فراغًا أمنيًا وإداريًا يجب التعامل معه بسرعة، لضمان استقرار الأوضاع الإنسانية ومنع المزيد من الانهيار.
ترتيبات مفروضة دون توافق فلسطيني
إلا أن النقاد يحذرون من أن الترتيبات الأمنية المفروضة خارجيًا، دون توافق سياسي فلسطيني واسع، قد تؤدي إلى تعميق الانقسامات الداخلية بدلًا من حلها.
وينظر كثير من الفلسطينيين إلى التركيز على نزع سلاح الفصائل وفرض سلطة مركزية تحت إشراف دولي باعتباره أمرًا شديد الخطورة سياسيًا، خاصة في منطقة عانت سنوات طويلة من الحصار والاحتلال والحروب المتكررة.
وتشير المنصة إلى أن السياق الجيوسياسي الأوسع لا يقل أهمية، إذ تعكس المبادرة صراعًا إقليميًا متناميًا حول من سيحدد مستقبل غزة بعد انحسار العمليات العسكرية النشطة.
فالولايات المتحدة تسعى إلى هيكل ما بعد الحرب يقلص نفوذ الفصائل المسلحة المناهضة لإسرائيل، بينما تبحث إسرائيل عن ضمانات أمنية وآليات سيطرة طويلة الأمد، في حين تعمل أطراف إقليمية، بينها الإمارات، على توسيع نفوذها عبر إعادة الإعمار والحوكمة والتدخل الأمني.
تحول في نفوذ الخليج داخل الصراعات
ويكشف المشروع، وفق المنصة، عن تحول في طبيعة نفوذ دول الخليج داخل الصراعات الإقليمية.
فلم تعد الإمارات تعمل فقط من خلال المساعدات المالية أو التحركات الدبلوماسية، وإنما عبر المشاركة المباشرة في هندسة الحوكمة، والتنسيق الأمني، وإعادة الهيكلة المؤسسية.
وترى المنصة أن هذا يعكس استراتيجية إماراتية أوسع ظهرت في عدة ساحات إقليمية، حيث تجمع أبوظبي بصورة متزايدة بين النفوذ الاقتصادي والتأثير الأمني لتشكيل النتائج السياسية.
مستقبل غزة بين الاستقرار والسيطرة
وقد تكون عواقب هذا النهج بعيدة المدى، إذ يمكن للهيكل الأمني الجديد، حال تطبيقه، أن يعيد تشكيل موازين القوى داخل غزة بشكل جذري.
ومن شأن هذه الخطة أن تنقل السلطة من الفصائل المحلية القائمة إلى مؤسسات تخضع لإشراف دولي، وهو ما قد يغير ليس فقط الديناميات الفلسطينية الداخلية، بل أيضًا التوازن الإقليمي الأوسع المحيط بالقضية الفلسطينية.
وفي الوقت نفسه، تنذر المبادرة بتعميق الاستقطاب، إذ ينظر العديد من الفلسطينيين بعين الريبة إلى الهياكل الأمنية المفروضة من الخارج، خاصة عندما ترتبط بإشراف إسرائيلي أو أطر مدعومة من الغرب.
واختتمت المنصة بأن التمويل الإماراتي المعلن لقوة شرطة جديدة في غزة يمثل أكثر بكثير من مجرد برنامج مساعدات أمنية، بل يشير إلى جهد دولي أوسع لإعادة تشكيل النظام في غزة ما بعد الحرب عبر مؤسسات تُدار خارجيًا، وتنسيق أمني، وإعادة هيكلة سياسية.
وبينما يراه مؤيدوه مدخلًا للاستقرار، يعتبره معارضوه مشروعًا للسيطرة على مستقبل غزة، ليبقى السؤال المركزي ليس فقط: من سيعيد بناء القطاع؟ بل من سيسيطر على البنية السياسية والأمنية التي ستخرج من أنقاض الحرب؟





