مقالات وآراء

د.تامر المغازي: حين يذوب البعد ” آدم و داليدا”

فرحةٌ تُقسمها الغربة… والأب يلملم شتات روحه

حين يغادر الأب وطنه، لا يغادر وحده.

يغادر ومعه أصوات أطفاله التي ستظل ترن في أذنه كل صباح، ووجوههم التي سيبحث عنها في كل زحام، ورائحة البيت التي سيفتقدها حتى في أرقى الفنادق.

يغادر بجسده، لكن روحه تظل معلقة في مشهد الوداع الأخير يد صغيرة تلوح، دموع تكتمها الكبرياء، وسؤال لم يُطرح بصوت عالٍ: “متى ستعود يا أبي؟”

وفي الغربة، يتعلم الأب لغة جديدة لا تدرسها الجامعات لغة انتظار مكالمة الفيديو التي قد تتقطع بسبب ضعف الإنترنت، لغة عدّ الأيام بالرواتب المحولة لا بالمواعيد السعيدة، لغة تحويل الحنين إلى وقود لعمل يمتد اثنتي عشرة ساعة دون توقف.

يصبح الأب في المهجر رقماً في كشف حضور، عاملاً في ورشة، مهندساً في شركة، لكنه في قلبه يظل ذلك الرجل الذي يحلم بصباح يفتح فيه عينيه على وجوه أطفاله الحقيقيين لا صورهم على الشاشة.

ثم تأتي اللحظة..لحظة اللقاء.

لا أحد يستطيع وصف فرحة الأب المغترب حين يلمح أبناءه قادمين من بوابة الوصول.

إنها فرحة لا تشبه الفرحات الأخرى إنها مزيج من الألم والانتصار، من الدموع والضحك، من الشعور بأن الزمن الذي سُرق منك يُعاد إليك دفعة واحدة وبعنف لا تستعد له.

إنها لحظة ينهار فيها جدار التحمل الذي بناه الأب طوال سنوات الغياب.

بكى وحده في غرفته الباردة؟ احتمل. اشتاق حتى كاد قلبه يتوقف؟

احتمل. سمع خبر مرض ابنه دون أن يستطيع السفر؟

احتمل. لكنه الآن، أمام هذا العناق، لا يستطيع الاحتمال. ولا يريد.

في هذه اللحظة، يعود الأب طفلاً.

يعود إلى ذاته الأولى التي لا تعرف غير الحب، قبل أن تعلمه الحياة كيف يكون صلباً.

يرتمي على ركبتيه ليكون بطول أطفاله الصغار، يدفن وجهه في شعرهم، يستنشقهم كأنه كان محروماً من الأكسجين.

يبكي. يضحك. يسأل أسئلة لا ينتظر إجاباتها: “كبرتِ هكذا؟

متى أصبحتَ طويلاً هكذا؟

هل نسيتَ وجهي؟

” وكأنه يحاسب الزمن، لا أبناءه”.

فرحة الأب في الغربة بلقاء أبنائه هي اعتراف صامت بأن كل شيء يمكن تعويضه إلا اللحظات الأولى.

أول سن تسقط، أول خطوة في المدرسة، أول خوف يُطلب فيه الأب فلا يُوجد.

يعرف المغترب أنه دفع ثمناً باهظاً، وأن المال الذي أرسله لم يشترِ تلك الفراغات التي تركها خلفه.

لكنه في لحظة اللقاء، يمنح نفسه غفراناً مؤقتاً.

يقول لنفسه إن وجوده الآن، بين أذرعهم، قد يمحو شيئاً من ذلك الغياب.

ولو كان وهماً، فهو وهم جميل يستحق أن يُعاش.

والمجتمع من حوله لا يرى مجرد لقاء.

يرى المارة في المطارات والمحطات شيئاً مختلفاً.

يرون رجلاً يذوب، يرون أطفالاً يتعلقون برقبة أبيهم كأنهم يخافون أن يطير مرة أخرى.

يرون زوجة تقف على بعد خطوات، دموعها تسبقها، تنتظر دورها في هذا العناق الكوني.

وفي تلك اللحظة، يتوقف الغرباء قليلاً.

هناك من يبتسم، هناك من يدمع، وهناك من يلتفت ليتأكد أن العالم لم يفقد كل إنسانيته بعد.

فرحة الأب المغترب ليست ملكاً له وحده؛ تصبح، ولو لدقائق، فرحة جماعية لكل من ذاق طعم البُعد.

لكن هل يحكي أحدٌ عما بعد العناق؟

بعد ساعات اللقاء الأولى، يجلس الأب مع أبنائه. يكتشف أن أصغرهم تناديه “بابا” بنبرة مختلفة قليلاً، وكأنها كلمة تتدرب على الخروج من فمها لأول مرة.

يكتشف أن ابنه المراهق صار يتحدث عن أشياء لا يفهمها، عن ألعاب إلكترونية لم يسمع بها، عن مخاوف لم يكن موجوداً لحلها.

يكتشف أن زوجته صارت أقوى مما تركها، وهذا يكسر قلبه ويشفيه في آنٍ واحد.

يكتشف أنه غريب في تفاصيلهم، وعليهم أن يتعرفوا عليه من جديد.

اللقاء ليس نهاية الغربة؛ إنه بداية غربة أخرى، غربة روحية، حيث يحاول الأب أن يجد مكانه في حكاية تقدمت فصولها بدونه.

ومع ذلك، لا ييأس.

يبدأ في بناء جسور صغيرة بنزهة إلى الحديقة، حديث طويل قبل النوم، حكايات عن بلد الثلج التي يقيم فيها، وتعلم أسماء أصدقائهم الجدد.

يحاول، بيأس لذيذ، أن يستعيد لقب “بابا” بكل ما يحمله من معنى.

وفي عيون أطفاله، يجد العون.

الأطفال، بتلك القدرة العجيبة على الصفح، يمنحونه فرصة أخرى.

لا يحاسبونه على الغياب.

يفرحون به كأنه عاد من رحلة قصيرة لا تمتد لسنوات.

يأخذون بيده ليروه ألعابهم التي احضروها معهم، رسوماتهم التي علقوها على الحائط فور وصولهم لبيتهم الجديد.

يتحدثون ويعرّفونه على هذا العالم الذي كبروا فيه دونه، ويدعونه ليكون جزءاً منه أخيراً.

ومواقفهم مع اصدقائهم في مدرستهم وناديهم في بلدهم الأم .

إن فرحة الأب المغترب بلقاء أبنائه ليست مجرد عاطفة تمر.

إنها فلسفة كاملة عن معنى التضحية ومعنى اللقاء بعد الفراق .

إنها إعلان أن الحب لا يموت بالمسافة، لكنه يتألم.

أنه يمكن للإنسان أن يكون ناجحاً في عمله وفاشلاً في حضوره، وأن هذا التناقض هو جوهر المأساة الإنسانية الحديثة.

نحن في زمن أصبح فيه التنقل سهلاً، لكن القلوب لم تتعلم بعد كيف تقطع آلاف الأميال دون أن تنزف.

في النهاية، يظل مشهد الأب وهو يضم أبناءه في قاعة الوصول هو الرد الوحيد على كل أسئلة الجدوى.

لماذا اغترب؟

من أجل هذا العناق.

لماذا تحمل؟

من أجل هذه اليد الصغيرة التي تمسح دموعه.

لماذا عمل حتى انحنى ظهره؟

من أجل هذه الضحكة التي تملأ الكون فجأة.

كل التعب تلاشى.
كل الوحدة انكسرت.
لم يعد مهماً كم دفع، وكم خسر، وكم بكى في الليل وحده.

المهم أنه هنا الآن، وهم هنا الآن، والعناق الواحد يكفي لترميم روح تصدعت.

هكذا هي فرحة الأب المغترب: وجعٌ يصير فرحاً.

هي لحظة تختزل الحياة كلها، تثبت أن الإنسان قادر على عبور المحيطات، وتحمل البرد، ومواجهة الوحدة، فقط ليستحق خمس دقائق من عناق يقول له بصوت أبنائه: “لقد اصبحنا معا اخيرا “.

لم تكن غائباً أبداً، لأنك كنت هنا، في القلب، طوال الوقت”.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى