
لقد وعيتُ السياسة مبكّرا، وكنت شاهدا عليها منذ زمن الزعيم بورقيبة، الذي تشرّفت بصداقة عدد من تلاميذه مثل سي محمد مزالي وسي محمد الصيّاح، قبل أن أتشرّف برفقة سي الباجي قائد السبسي، رحمهم الله جميعا،كما كانت لي صداقات مع شخصيات عملت مع الرئيس بن علي في مستويات مختلفة، وساهمتُ طيلة عشرية الانتقال الديمقراطي من مواقع مختلفة في العمل السياسي بما في ذلك عضوية البرلمان والوزارة والتحدًث باسم الحكومة، ولم أواجه طيلة هذه الرحلة المديدة ما أراه حاليا، فلأوّل مرة ألاحظ أن تونس أصبحت بلا “نظام سياسي”تقريبا (وليس المقصود هنا نظام حكم) والأخطر من ذلك بلا “فكر سياسي”، وبلا “رجال سياسة” وظيفتهم إقناع “الشعب الكريم”بصحّة “السياسات” المتبعة، وعندما تريد أن تساهم بفكرة أو مقترح كمواطن له سهم في رأسمال هذا الوطن، فإنّك لا تواجه سوى بسيل من “السباب والشتائم”، لا يبدر فقط عن جمهور مجهول الهوية في وسائل التواصل الرقمي، بل قد يبدر عمّن وضعوا أنفسهم في خدمة النظام في وسائل الإعلام دون أي صفة رسمية أو تمثيل حقيقي، بل هم مجموعة “كرونيكرات” أغلبهم اشتهر بالدفاع عن جميع الأنظمة السابقة تقريبا..
وهذه الحالة الفريدة لم أجدها حقيقة حتّى في أعتى الأنظمة الاستبدادية، ففي هذه الأنظمة هناك من يدافع عن توجهاتها بشكل سياسي وفكري ويفنّد حجج معارضيها بالأفكار لا بتهم التخوين والتجريم..
هذه الحالة التي نعيش تحتاج جهدا تفسيريا عجز عنه “المفسّرون” الذين تطوعوا لهذه المهمة لكن النظام أخبرهم بأنه لا يحتاج خدماتهم حتى وإن كانت مجانية..
ولله عاقبة الأمور، والسلام







