ملفات وتقارير

مركز حريات يوثق عقدًا من الاشتباك الفكري والسياسي والإستراتيجي في كتاب «في قلب العاصفة»

أصدر مركز حريات للدراسات السياسية والإستراتيجية كتابًا توثيقيًا موسعًا بعنوان «في قلب العاصفة.. عقد من الاشتباك الفكري والسياسي والإستراتيجي»، يرصد من خلاله مسار فعالياته وأنشطته وإصداراته خلال الفترة من 2017 إلى 2026، في محاولة لتقديم قراءة شاملة لعشر سنوات من العمل الفكري والسياسي والتحليلي في واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في العالم العربي والإسلامي.
ويأتي الكتاب، الصادر في إسطنبول، باعتباره وثيقة ذاكرة مؤسسية لا تكتفي بحصر الإصدارات أو تسجيل الفعاليات، بل تسعى إلى قراءة المسار العام للمركز، وتحليل الأسئلة التي حكمت إنتاجه، وكيف تطورت أولوياته عبر سنوات شهدت تحولات كبرى في مصر والمنطقة وفلسطين والنظامين الإقليمي والدولي.

توثيق لمسار لا مجرد أرشيف

يفتتح الكتاب بمقدمة تؤكد أن العمل لا يهدف إلى التأريخ لمؤسسة بقدر ما يسعى إلى توثيق مسار فكري وسياسي وإستراتيجي، تشكل في قلب التحولات العربية والإسلامية، وتفاعل مع أسئلة الدولة والسلطة والحرية والعدالة، في سياق اتسم بصعود الثورات العربية وتعثرها، وعودة السلطوية، واتساع رقعة الصراعات الإقليمية والدولية.
ويضع الكتاب القارئ منذ صفحاته الأولى أمام فلسفة مركز حريات في التعامل مع المعرفة، باعتبارها أداة لفهم الواقع والتأثير فيه، لا مجرد نشاط بحثي منعزل. كما يربط بين التوثيق والذاكرة، مؤكدًا أن حفظ التجربة يصبح ضرورة في لحظات تتعرض فيها الوقائع لإعادة الكتابة أو الاختزال أو التغييب.

فريق مركز حريات ومسارات العمل

يتضمن الكتاب عرضًا لفريق مركز حريات، ويشير إلى مشاركة مجموعة من رؤساء الدوائر المتخصصة في بناء التجربة، بينهم مسؤولون عن شؤون الحركات الإسلامية، والتخطيط والإستراتيجية، والشؤون الدولية، والشؤون المصرية، والحقوقية والقانونية، والدعوة، والشباب، والإعلام، والشؤون البرلمانية.
ويعكس هذا التعدد، وفق بنية الكتاب، طبيعة المشروع الذي لم يقف عند حدود البحث النظري، بل جمع بين التحليل السياسي، والعمل الحقوقي، والمتابعة الإعلامية، وبناء الوعي، وإنتاج الأوراق والدراسات والندوات والمؤتمرات وورش العمل.

لماذا هذا الكتاب؟

في التمهيد، يطرح الكتاب سؤالًا محوريًا حول معنى إصدار هذا العمل في هذه اللحظة، موضحًا أنه لا يقدم نفسه ككتالوج للإصدارات، ولا كسجل إداري للأنشطة، وإنما كوثيقة ذاكرة تسعى إلى الإمساك بخيط المعنى في عقد كامل من الاشتباك مع قضايا الفكر والسياسة والإستراتيجية.
ويؤكد التمهيد أن الكتاب يحاول الإجابة عن سؤال: كيف يمكن لمركز دراسات عربي مستقل أن يحفظ أثر مشروعه الفكري في زمن شديد الاضطراب، دون أن ينزلق إلى التبرير أو الانفعال أو التجميل؟ ومن هنا، يتحول التوثيق إلى فعل معرفي هدفه فهم ما جرى، وربطه بسياقه، واستخلاص دلالاته.

الفكر الإسلامي والنظرية السياسية

يخصص الكتاب فصله الأول لقضية الفكر الإسلامي والنظرية السياسية، باعتبارها المدخل التأسيسي لفهم بقية المحاور. ويعرض الفصل مسار التأصيل وبناء الإطار الفكري للمشروع الإسلامي، من خلال قضايا الدولة والشرعية والسلطة والتغيير والواقعية السياسية وتجديد المرجعية الفكرية.
ويبرز الفصل إشكالية الانتقال من الدعوة إلى الدولة، مؤكدًا أن تعثر بعض التجارب الإسلامية لم يكن مرتبطًا فقط بضغوط الخارج أو شراسة الخصوم، بل كذلك بضعف التأصيل، وغياب الرؤية، والفجوة بين الخطاب الدعوي ومتطلبات الحكم وإدارة الدولة الحديثة.
ويستعرض الفصل عددًا كبيرًا من الإصدارات والفعاليات، من بينها قضايا فقه الدولة وفقه المعارضة، والواقعية السياسية، والتعددية السياسية وتداول السلطة، وبناء العقل الإستراتيجي، وأزمة القيادة، ودور العلماء، وتجديد الخطاب الدعوي والإعلامي والتنظيمي والسياسي والحقوقي.

من الدعوة إلى الدولة

تتوقف خاتمة الفصل الأول عند ما يسميه الكتاب «أزمة العبور»، أي لماذا تعثر الانتقال من الدعوة إلى الدولة. ويخلص إلى أن المشروع الإسلامي لا يحتاج فقط إلى حضور مجتمعي أو قوة خطابية، بل إلى عقل سياسي وإستراتيجي قادر على فهم الدولة الحديثة، وإدارة التوازنات، وبناء المؤسسات، وتحويل المبادئ إلى سياسات قابلة للتطبيق.
ويؤكد هذا الجزء أن الدولة ليست امتدادًا مباشرًا للدعوة، وأن السياسة ليست مجرد تعبئة أخلاقية، بل مجال يقوم على المصالح والتوازنات والمؤسسات. ومن هنا، يدعو الكتاب إلى بناء فقه سياسي إسلامي معاصر، وتأسيس مراكز تفكير إستراتيجية داخل الحركات الإسلامية، وتطوير فهم أعمق لبنية الدولة الحديثة.

الحركات والتجارب الإسلامية

ينتقل الفصل الثاني إلى الحركات والتجارب الإسلامية، باعتبارها الترجمة العملية للفكرة من النظرية إلى الواقع. ويقرأ الكتاب هذه التجارب بوصفها مسارات متعددة لا يمكن اختزالها في النجاح أو الفشل، بل ينبغي تحليلها ضمن سياقاتها السياسية والاجتماعية والإقليمية.
ويتناول الفصل تجارب متعددة، من مصر وتونس والسودان والمغرب، إلى تركيا وماليزيا وإندونيسيا وباكستان، مع التركيز على أسئلة الحكم والمعارضة والمنفى، وفجوة التفكير الإستراتيجي، والعلاقة بين الأجيال، وإعادة التموضع بعد التحولات الكبرى.
ويعرض الكتاب تجربة الرئيس الراحل محمد مرسي باعتبارها نموذجًا مكثفًا لأزمة الانتقال من الدعوة إلى الرئاسة والمحنة، كما يناقش تجارب الإسلاميين بعد 2011، وحالة الإقصاء، ومحاولات إعادة التشكل، ومواطن القوة، والنجاحات السياسية، وإمكانات إعادة البناء.

أزمة التنظيم وإعادة بناء الحركة

يخلص الفصل الثاني إلى أن أزمة الحركات الإسلامية لم تكن في ضعف حضورها المجتمعي أو غياب الفكرة التي تحملها، بل في البنية التنظيمية التي تشكلت في سياقات تاريخية لم تعد ملائمة بالكامل لمتطلبات العمل السياسي الحديث.
ويؤكد الكتاب أن التنظيم يجب أن يكون أداة لا غاية، وأن المشروع الإسلامي أوسع من أي تنظيم بعينه، وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى نماذج أكثر مرونة وانفتاحًا، قادرة على الجمع بين العمل المؤسسي والانفتاح المجتمعي، وبين وضوح الفكرة ومرونة الحركة.

النظام المصري والدولة والسلطة

يفرد الكتاب فصله الثالث للنظام المصري، تحت عنوان «الدولة، السلطة، العسكر، والمجال العام»، ويقرأ الحالة المصرية باعتبارها نموذجًا مكثفًا لتفاعل معقد بين الدولة والسلطة والمجتمع، وبين التاريخ والسياسة، وبين الداخل والخارج.
ويتناول الفصل الدولة المصرية باعتبارها شبكة معقدة من المصالح والأجهزة والتقاليد المتراكمة، لا مجرد مؤسسات رسمية. كما يربط بين تطور بنية السلطة منذ 1952، وتغول المؤسسة العسكرية، وتراجع المجال العام، وصولًا إلى ثورة يناير وما بعدها.
ويتعامل الكتاب مع ثورة يناير باعتبارها لحظة كاشفة، نجحت في إسقاط رأس النظام، لكنها لم تتمكن من تفكيك بنيته العميقة، وهو ما جعل الانتقال الديمقراطي هشًا ومفتوحًا على الانتكاس.

مصر بين الدولة الصلبة والمجتمع الباحث عن التغيير

ينتهي الفصل المصري إلى أن الدولة المصرية ظلت قادرة على إعادة إنتاج نفسها عبر أدوات متعددة، من المؤسسة العسكرية إلى الإعلام والقضاء والمؤسسات الدينية، بينما ظل المجتمع يبحث عن مساحات للتغيير في ظل انسداد سياسي وأمني واسع.
ويرى الكتاب أن فهم الحالة المصرية لا يمكن أن يتم بمعزل عن العلاقة بين الداخل والخارج، ولا عن شبكة التحالفات والضغوط الإقليمية والدولية التي تؤثر في القرار المصري ومسارات السلطة.

فلسطين وغزة في مركز الاشتباك

يخصص الكتاب فصله الرابع لفلسطين وغزة، تحت عنوان «من القضية إلى مركز الاشتباك»، ويعالج القضية الفلسطينية باعتبارها لم تعد مجرد ملف سياسي أو رمز وجداني، بل صارت مركزًا لإعادة تعريف الصراع في النظامين الإقليمي والدولي.
ويركز الفصل على التحولات التي أعادت فلسطين إلى قلب المشهد، خاصة في ضوء المواجهات الكبرى وما فرضته من أسئلة حول العدالة الدولية، وحدود النظام الدولي، ومواقف القوى الإقليمية، وموقع الشعوب العربية والإسلامية من القضية.
ويتعامل الكتاب مع غزة باعتبارها بؤرة كاشفة لاختلالات النظام الدولي، ومجالًا يختبر الخطابات السياسية والحقوقية والإنسانية، ويعيد ترتيب أولويات الوعي العربي والإسلامي.

فلسطين وإعادة تعريف الصراع

تذهب خاتمة الفصل الفلسطيني إلى أن فلسطين لم تعد قضية هامشية في النظام الدولي، بل تحولت إلى معيار كاشف لطبيعة القوة والعدالة والشرعية، وأعادت طرح السؤال حول حدود الهيمنة، ومصداقية المؤسسات الدولية، وموقع الأمة في صراع طويل على المعنى والحقوق.

النظام الإقليمي والتفكك والتطبيع

يتناول الفصل الخامس النظام الإقليمي، من زاوية التفكك والتطبيع وإعادة التموضع. ويعرض كيف شهد الإقليم تحولات واسعة، لم تعد فيها الدول وحدها هي الفاعل الرئيسي، بل دخلت قوى متعددة في إعادة تشكيل المجال السياسي والجغرافي والأمني.
ويرصد الفصل قضايا التطبيع، والتهجير، وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية، وتبدل أدوار القوى الإقليمية، وصعود تحالفات جديدة، وتراجع أخرى، باعتبارها مؤشرات على مرحلة إقليمية شديدة السيولة.
ويخلص الفصل إلى أن النظام الإقليمي يمر بحالة تفكيك وإعادة تشكيل في الوقت نفسه، وأن القوى السياسية والفكرية لا تستطيع التعامل مع هذه التحولات بمنطق رد الفعل، بل تحتاج إلى قراءة إستراتيجية بعيدة المدى.

النظام الدولي وسقوط أوهام الهيمنة

يذهب الفصل السادس إلى قراءة النظام الدولي وتحولات القوة، تحت عنوان «تحولات القوة وسقوط أوهام الهيمنة». ويرصد الكتاب تراجع بعض اليقينيات التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وصعود قوى جديدة، وتغير موازين النفوذ، وتداخل المصالح مع الخطابات القيمية.
ويؤكد الفصل أن فهم القضايا العربية والإسلامية لم يعد ممكنًا من داخل الحدود الوطنية فقط، بل لا بد من ربط المحلي بالإقليمي والدولي، لأن الأزمات الداخلية كثيرًا ما تكون امتدادًا لتفاعلات أوسع في النظام العالمي.
وتتوقف خاتمة الفصل عند ما تسميه «نهاية عصر الهيمنة وبداية التوازنات الجديدة»، باعتبارها لحظة تحول حضاري تفرض على المشروع الإسلامي والعربي أن يعيد تعريف موقعه في العالم.

الوعي وصناعة المجال العام

يخصص الكتاب فصله السابع لقضية الوعي وصناعة المجال العام، مع التركيز على الشباب والسردية وهندسة التأثير في العصر الرقمي. ويعتبر هذا الفصل أن معركة السياسة لا تنفصل عن معركة الوعي، وأن السيطرة على المجال العام تمر عبر الإعلام والسرديات والمنصات الرقمية وأدوات التأثير الحديثة.
ويعالج الفصل دور الشباب باعتبارهم قلب التحولات الاجتماعية والسياسية، كما يناقش كيف يمكن للسرديات أن تصنع اتجاهات المجتمع، وتعيد تعريف القضايا، وتفتح مسارات للفعل أو تغلقها.
ويخلص الفصل إلى أن بناء الوعي لم يعد ترفًا فكريًا، بل شرطًا لأي مشروع تغييري قادر على الاستمرار، خاصة في زمن تتداخل فيه المعلومات بالدعاية، والتحليل بالضجيج، والتأثير بالاستقطاب.

الثورات العربية والمسار غير المكتمل

يأتي الفصل الثامن عن الثورات العربية، تحت عنوان «المسار، الانكسار، وآفاق الاستئناف»، باعتباره تتويجًا لمسار الكتاب كله. فالكتاب يتعامل مع الثورات العربية لا كأحداث منفصلة، بل كدورة تاريخية لم تكتمل، كشفت عمق الأزمة بين الشعوب والأنظمة، وفتحت أفقًا للتغيير، ثم واجهت ارتدادات قاسية.
ويقرأ الفصل أسباب الانفجار الثوري، وتعثر المسارات، وتباين التجارب، ودور الدولة العميقة، والعوامل الإقليمية والدولية، وحدود التنظيم السياسي، كما يطرح سؤال الاستئناف: هل انتهت الثورات العربية أم دخلت طورًا جديدًا أكثر تعقيدًا؟
وتؤكد خاتمة هذا الفصل أن الثورات العربية لم تكن مجرد موجة عابرة، بل تعبيرًا عن أزمة تاريخية عميقة لم تُحل بعد، وأن تعثرها لا يعني نهايتها، بقدر ما يفرض إعادة التفكير في أدوات التغيير وشروطه وآفاقه.

نحو رؤية إستراتيجية للمشروع الإسلامي

تتضمن الخاتمة العامة للكتاب محاولة لاستخلاص الدروس الكبرى من الفصول الثمانية، وصولًا إلى طرح رؤية إستراتيجية للمشروع الإسلامي في القرن الحادي والعشرين. وتشمل هذه الرؤية تعريف المشروع الإسلامي الجديد، وشروط إعادة البناء، وبناء العقل الإستراتيجي، ودور المجتمع والمعرفة، وموقع الأمة في النظام الدولي الجديد.
ويؤكد الكتاب أن المشروع الإسلامي الجديد لا يمكن أن يقوم على الحماسة وحدها، ولا على استعادة الماضي، ولا على ردود الفعل، بل يحتاج إلى عقل إستراتيجي، ومؤسسات معرفة، ووعي مجتمعي، وقدرة على قراءة موازين القوة، وفهم التحولات الكبرى.

ملاحق توثيقية وخرائط معرفية

يختتم الكتاب بعدد من الملاحق التي تقدم خريطة المفاهيم الإستراتيجية للمشروع الإسلامي الجديد، والخريطة الرقمية والقيمية للكتاب، وحصيلة عقد من الاشتباك من زاوية التراكم والتقييم وآفاق التحول، إضافة إلى قراءة كمية ونوعية في مسار التأثير وبناء الرؤية.
وتمنح هذه الملاحق العمل طابعًا توثيقيًا وتحليليًا في الوقت نفسه، إذ لا تكتفي بعرض الفصول، بل تحاول تحويل التجربة إلى خريطة يمكن الرجوع إليها لفهم مسار مركز حريات، وتقييم أثره، واستشراف ما يمكن أن ينتج عنه في المستقبل.

خلاصة المشهد

في مجمله، يقدم كتاب «في قلب العاصفة» سردًا واسعًا لعقد من التفكير والعمل داخل مركز حريات، ويضع القارئ أمام تجربة حاولت أن تربط بين الفكر والواقع، وبين الذاكرة والمستقبل، وبين التحليل والموقف، في زمن عربي وإسلامي شديد الاضطراب.
ويظهر الكتاب أن مركز حريات لم يتعامل مع القضايا بوصفها ملفات منفصلة، بل بوصفها شبكة مترابطة تبدأ من الفكر الإسلامي والنظرية السياسية، وتمر بالحركات والتجارب الإسلامية، والحالة المصرية، وفلسطين وغزة، والنظامين الإقليمي والدولي، وتنتهي إلى الوعي والثورات العربية وآفاق إعادة البناء.
وبذلك، يتحول الكتاب إلى وثيقة سياسية وفكرية تسعى إلى حفظ تجربة عقد كامل من الاشتباك، لا باعتبارها نهاية لمسار، بل قاعدة لقراءة ما هو قادم، في عالم تتغير فيه موازين القوة، وتتجدد فيه أسئلة الحرية والعدالة والهوية والمستقبل.

https://www.ghadnews.net/wp-content/uploads/2026/05/في-قلب-العاصفة-عقد-من-الاشتباك-.pdf

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى