مقالات وآراء

أسامة رشدي يكتب: من ويستفاليا إلى “صلح مكة”.. هل يتعلم العرب والإيرانيون من أوروبا؟

حين يتأمل العالم أوروبا اليوم، قد ينسى أنها كانت لقرون واحدة من أكثر بقاع الأرض دموية ووحشية.. الكاثوليك والبروتستانت خاضوا حروبا أهلية وإقليمية طويلة، قُتل فيها الملايين، ودُمّرت مدن كاملة، وتحولت القارة إلى ساحات مذابح مفتوحة باسم الدين والنفوذ والهوية؛ حتى جاءت معاهدة صلح ويستفاليا عام 1648، لتضع حدا لحرب الثلاثين عاما، وتؤسس لفكرة بسيطة لكنها عظيمة: ليس مطلوبا أن يتفق الجميع عقائديا حتى يتوقفوا عن قتل بعضهم البعض.

ويستفاليا لم تُلغِ الخلافات المذهبية، ولم تجعل الكاثوليكي يحب البروتستانتي أو العكس، لكنها أرست قواعد تتعلق باحترام سيادة الدول، ووقف التدخل في الشئون الداخلية، والاعتراف بالتوازنات السياسية، وتقديم الاستقرار على الحروب العقائدية المفتوحة. ومن هنا بدأ الطريق الطويل الذي قاد أوروبا لاحقا إلى السلام والتعاون.

أما نحن في منطقتنا العربية وجوارها، فما زلنا ندور في دائرة مشابهة منذ عقود. فقد انسقنا منذ بدايات القرن الماضي إلى صراعات قومية بين العرب والأتراك، وكانت النتيجة الاحتلال والانتداب، والتفريط في فلسطين، وحالة التمزق التي خلفتها اتفاقية سايكس- بيكو.

في منطقتنا العربية وجوارها، فما زلنا ندور في دائرة مشابهة منذ عقود. فقد انسقنا منذ بدايات القرن الماضي إلى صراعات قومية بين العرب والأتراك، وكانت النتيجة الاحتلال والانتداب، والتفريط في فلسطين، وحالة التمزق التي خلفتها اتفاقية سايكس- بيكو

ثم جاءت الثورة الإيرانية عام 1979، التي أطاحت بعرش الشاه، حليف الولايات المتحدة وشرطيها في الخليج، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من الصراع العربي-الإيراني، غذّتها القوى الدولية التي تضررت مصالحها بانهيار نفوذها في إيران.

بدأ ذلك بالحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، وحصدت أرواح مئات الآلاف من الجانبين، وأهدرت مئات المليارات من الدولارات، ودمّرت مصالح اقتصادية وتنموية هائلة، وتركت جراحا عميقة لم تندمل حتى اليوم. ثم امتد الصراع إلى ساحات متعددة من لبنان إلى العراق وسوريا واليمن والخليج.

وجاءت الحرب الأخيرة والعدوان الصهيو-أمريكي على إيران، وما تبعه من استهداف لدول الخليج بذريعة ضرب القواعد والمصالح الأمريكية، وما ترتب على ذلك من اضطراب خطير في الملاحة بمضيق هرمز، مما هدد مصالح دول الخليج التجارية وأربك الاقتصاد العالمي بأسره.

ولا تزال الأزمة تتفاعل حتى الآن بسبب حروب تُدار على أرضنا، دون إرادة شعوب المنطقة، بل أحيانا دون حتى مشاورة دولها، في استهانة خطيرة بسيادة واستقلال الدول العربية والإقليمية.

ولا تزال المنطقة تعيش فوق فوهة بركان يمكن أن ينفجر في أي لحظة إذا بقيت رهينة للصراعات المفتوحة. والأخطر أن الصراع العربي-الإيراني لم يبقَ في إطاره السياسي أو الجيوسياسي فقط، بل جرى عبر عقود استدعاء الخلافات المذهبية القديمة، وتضخيمها بصورة ممنهجة، حتى تحولت في وعي قطاعات واسعة إلى صراع وجودي دائم بين شعوب المنطقة نفسها، التي عاشت معا لقرون طويلة.

وأي متابع منصف يدرك أن المنطقة دُفعت عمدا إلى استنزاف ذاتها بنفسها، وتأجيج الصراع بين السنة والشيعة عبر منصات إعلامية، وجيوش إلكترونية، وخطط مدروسة، حتى يفني العرب والإيرانيون بعضهم بعضا، وتنخرط شعوب المنطقة في حروب لا تنتهي، بينما كانت القوى الكبرى والكيان الصهيوني أكبر المستفيدين من هذا الانقسام التاريخي.

لقد تحولت المذهبية من خلاف فكري أو ديني قابل للتعايش، كما تعايشت معه الأمة لقرون، إلى أداة تعبئة سياسية وإعلامية وعسكرية، استُخدمت لإشعال الحروب الباردة والساخنة، وتبرير التدخلات، وتغذية الكراهية، وتمزيق المجتمعات من الداخل.

والنتيجة أمامنا اليوم؛ دول مدمرة، ملايين الضحايا واللاجئين، اقتصادات منهكة، وأجيال كاملة تربّت على الخوف والكراهية المتبادلة.

ولهذا فإنني أوجّه الدعوة إلى علماء وحكماء وقادة المنطقة لتمهيد الأرضية لـ”صلح مكة”، كخطوة تاريخية لكسر هذه الحلقة الجهنمية، والاعتراف بأن استمرار تحويل الخلافات المذهبية إلى وقود للصراع لن يؤدي إلا إلى المزيد من الخراب الجماعي، بينما تبقى شعوب المنطقة كلها هي الخاسر الأكبر.

ألم يحن الوقت لصيغة تاريخية تشبه “ويستفاليا الشرق الأوسط”، تجمع العرب والأتراك والإيرانيين والباكستانيين في إطار إقليمي جديد يمكن تسميته مجازا بـ”صلح مكة”؟

هناك حقائق يجب الاعتراف بها؛ لا يمكن بناء استقرار مستدام في الإقليم عبر الاستقواء بالخارج ضد الجيران، ولا عبر إدارة المنطقة بمنطق الثأر الدائم

والدعوة هنا ليست لحلف عسكري، فأوضاع الإقليم ربما لا تسمح بذلك، وليست دعوة للذوبان العقائدي أو تخلي أي طرف عن مذهبه أو رؤيته الفكرية، بل هي دعوة لإعلاء منطق الأخوّة الإسلامية والتعايش الإقليمي وفق قواعد واضحة:

▪️لا للحروب بالوكالة.

▪️ لا للتدخل في الشئون الداخلية.

▪️ لا لتحويل الطوائف إلى أدوات صراع.

▪️ احترام سيادة الدول.

▪️ بناء منظومة أمن إقليمي مشتركة.

▪️ تقديم مصالح الشعوب على مشاريع الهيمنة والاستنزاف فالتعايش السياسي لا يعني التطابق الفكري.

وإذا كان بعض العرب قد قبلوا وانخرطوا في “الاتفاقات الإبراهيمية” والتطبيع الكامل مع الكيان، رغم أكثر من سبعين عاما من الاحتلال والحروب والمذابح وضياع فلسطين، فكيف يصبح الحوار والصلح العربي-الإيراني محرّما، رغم كل المشتركات الدينية والتاريخية والجغرافية؟ فهناك حقائق يجب الاعتراف بها؛ لا يمكن بناء استقرار مستدام في الإقليم عبر الاستقواء بالخارج ضد الجيران، ولا عبر إدارة المنطقة بمنطق الثأر الدائم.

أوروبا احتاجت ملايين الضحايا حتى تصل إلى ويستفاليا، فهل ينتظر الشرق الأوسط المزيد من الخراب قبل أن يقتنع الجميع بأن السلام الإقليمي ليس رفاهية.. بل ضرورة وجودية؟

المصدر موقع عربي 21 الإخباري

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى