ثقافة وفنون

خالد مبارك العبيّد يكتب: إدارة الفوضى: حين يصبح احتواء الأزمات بديلاً عن حلّها

قراءة في تحولات النظام الدولي وصعود منطق إدارة الفوضى بدل إنهائها

في أزمنةٍ سابقة، كان العالم يبدو “على الأقل ظاهرياً” أكثر قابلية للفهم.

أما اليوم، فالعالم لا ينهار… لكنه لم يعد يعمل بالطريقة التي اعتاد الناس فهمه بها.

كانت هناك قوة كبرى تقود، وتحالفات واضحة، وخطوط حمراء مستقرة، ومؤسسات دولية يُفترض أنها تضبط الإيقاع العام للفوضى البشرية.

أما الآن، فالصورة مختلفة تماماً.

الدول الكبرى لم تعد قادرة على فرض النظام الكامل، لكنها أيضاً لا تسمح بانفجار شامل يخرج كل شيء عن السيطرة.

القوى الإقليمية تصعد، ثم تتراجع، ثم تعود بأشكال جديدة.

الحروب لا تنتهي بانتصارٍ واضح، بل تتحول إلى حالاتٍ مزمنة.

والاقتصاد العالمي نفسه بات يتحرك بين الأزمات كما لو أنه يتعلم التعايش معها، لا حلّها.

هنا تحديداً تظهر فكرة «إدارة الفوضى».

ليس بوصفها مؤامرة سحرية تدير العالم من خلف الستار كما يتخيل البعض، بل باعتبارها منطقاً جديداً للحكم والسياسة في عصرٍ فقد القدرة على إنتاج الاستقرار الكامل.

في عالمٍ شديد التعقيد، يصبح ضبط الفوضى أحياناً أكثر واقعية من محاولة إنهائها.

وتصبح السيطرة على إيقاع الأزمات أهم من القضاء عليها نهائياً.

ويتحول الاحتواء إلى بديلٍ عن الحسم.

ولهذا، فإن كثيراً من صراعات هذا العصر تبدو وكأنها لا تُحل، بل تُدار.

تشتعل ثم تهدأ.

تتوسع ثم تُجمّد.

تقترب من الانفجار ثم تتوقف قبل الحافة الأخيرة.

ليس لأن العالم عاجز دائماً عن إنهائها، بل لأن بعض التوازنات الدولية باتت ترى أن الفوضى المحدودة أقل كلفة من الحسم الكامل.

في الشرق الأوسط مثلاً، يمكن ملاحظة هذا النمط بوضوح.

أزمات تمتد لسنوات طويلة دون نهاية حقيقية.

خرائط نفوذ تتغير باستمرار دون سقوط كامل للنظام الإقليمي.

ودول تعيش بين حالة اللاسلم واللاحرب، وكأن المنطقة كلها دخلت زمناً سياسياً معلّقاً.

لكن «إدارة الفوضى» لا تعني فقط الحروب والجغرافيا السياسية.

الفكرة تمتد أيضاً إلى الاقتصاد، والإعلام، والتكنولوجيا، وحتى المجتمعات نفسها.

في الاقتصاد، لم تعد الأسواق تبحث عن اليقين الكامل، بل عن القدرة على التكيّف مع اللايقين.

وفي الإعلام، لم تعد السيطرة عبر منع المعلومات، بل عبر إغراق الفضاء العام بكمٍّ هائل من الروايات المتناقضة حتى يصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة.

أما في السياسة، فباتت بعض الأنظمة تُفضّل إبقاء المجتمع في حالة توترٍ منخفض ومستمر، لأن الاستقرار المطلق قد يخلق مطالب أكبر من قدرتها على الاستجابة.

المفارقة أن أخطر ما في الفوضى الحديثة ليس الضجيج… بل الاعتياد عليها.

أن يصبح الإنسان معتاداً على الأخبار العاجلة، وعلى الحروب البعيدة، وعلى الأزمات الاقتصادية، وعلى تغير التحالفات، حتى يفقد إحساسه بأن ما يحدث استثنائي.

وكأن العالم دخل مرحلة يعتبر فيها الاضطراب هو الوضع الطبيعي الجديد.

وربما لهذا السبب تحديداً، لم يعد السؤال الحقيقي:

«كيف ينتهي الصراع؟»

بل:

«من يستطيع إدارة الفوضى بأقل الخسائر… وبأكبر قدر من النفوذ؟»

ذلك أن القوة في هذا العصر لم تعد دائماً قدرةً على فرض النظام،

بل قدرةً على البقاء واقفاً وسط عالمٍ يتحرك باستمرار.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى