مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: الخليج يجرّب الحياة بعد الدولار

​اهتزازٌ خافت في أسواق المال العالمية كان كافيًا لفتح باب الأسئلة التي ظلّت مغلقة لعقود. الذهب يصعد، والدولار يتراجع نسبيًا أمام سلة من العملات، والبنوك المركزية ترفع احتياطاتها من المعدن الأصفر، والصين توسّع استخدام اليوان في تجارة الطاقة بهدوءٍ لا يخلو من الثقة. أما الخليج، الذي ظلّ نصف قرن أحد أهم أعمدة النظام المالي الأميركي، فيبدو كمن يختبر ـ للمرة الأولى ـ فكرة الحياة خارج القبضة المطلقة للدولار.

​المشهد لا يتعلق فقط بالحرب الأخيرة في الخليج، ولا بإغلاق مضيق هرمز لساعات أو أيام، بل بتحول أعمق بدأ يتسرّب ببطء داخل بنية الاقتصاد العالمي نفسه. النظام الذي وُلد بعد اتفاق 1974 بين السعودية والولايات المتحدة لم يعد يبدو بالصلابة ذاتها، بعد أن تغيّر العالم، وتغيّرت خرائط الطاقة، وتبدلت موازين القوة الاقتصادية.

​قبل نصف قرن تقريبًا، كان هنري كيسنجر يعيد رسم النظام المالي العالمي من بوابة النفط. أميركا الخارجة من أزمة «بريتون وودز» كانت تحتاج إلى تثبيت هيمنة الدولار، والخليج كان يحتاج إلى مظلة أمنية أميركية تحمي الثروة النفطية الهائلة التي انفجرت بعد حرب أكتوبر وصدمة النفط الأولى.

الصفقة التاريخية كانت واضحة وإن لم تُعلن بكل تفاصيلها:

النفط يُباع بالدولار، والفوائض النفطية الخليجية تُعاد استثماراتها داخل الاقتصاد الأميركي، بينما تتكفل واشنطن بالحماية العسكرية والأمنية للمنطقة. هكذا وُلد «البترودولار». ومنذ تلك اللحظة، لم تعد قوة الدولار نابعة فقط من الاقتصاد الأميركي، بل من حقيقة أخطر: العالم كله أصبح يحتاج الدولار كي يشتري الطاقة.

​بهذه المعادلة موّلت الولايات المتحدة عجزها الضخم لعقود طويلة؛ ديون أميركية تتضخم، وخزانة أميركية تقترض بلا خوف، بينما تعود مئات المليارات النفطية إلى شراء السندات والأصول الأميركية. كانت دورة مالية مغلقة تحوّلت إلى أحد أهم أعمدة النفوذ الأميركي في العالم.

​لكن التاريخ لا يعرف الثبات الطويل؛ فالولايات المتحدة نفسها لم تعد تعتمد على نفط الخليج كما كانت بعد طفرة النفط والغاز الصخري، بينما أصبحت الصين والهند وآسيا عمومًا هي المستورد الأكبر للطاقة الخليجية. هنا بدأ الشرخ الصامت؛ النفط الخليجي يتجه شرقًا، لكن العوائد المالية ما تزال تدور داخل المنظومة الغربية نفسها. ومع كل أزمة سياسية أو عقوبات أميركية، كانت الأسئلة تتزايد داخل دوائر القرار الخليجي حول كلفة الاعتماد الكامل على الدولار.

​الحرب الأخيرة في الخليج سرّعت هذا القلق بصورة غير مسبوقة. إغلاق مضيق هرمز أعاد إلى الأذهان حقيقة أن الاقتصاد الدولي كله ما يزال رهينة الاستقرار في هذه البقعة الصغيرة. والأخطر أن دول الخليج وجدت أن المظلة الأمنية الأميركية لم تعد تمنح الشعور القديم بالأمان الكامل، مما دفع نحو التفكير في «الخطة البديلة»؛ وهي ليست قطيعة مع واشنطن، بل محاولة لبناء شبكة أمان مالية وسياسية تحسبًا لأي تغيرات كبرى.

​الصين تتحرك في هذا الاتجاه بذكاء؛ فهي لا تتحدث عن إسقاط الدولار، بل عن تقليص احتكاره عبر اتفاقات تبادل العملات وتطوير اليوان الرقمي والمشاركة في مشروعات مثل «mBridge». وبدأت تقارير غربية تتحدث بالفعل عن ارتفاع تدريجي في نسبة الصفقات النفطية التي تُسوى بعملات غير الدولار.

​حتى البنوك المركزية الخليجية لم تعد تتحرك بالعقلية القديمة؛ فزيادة احتياطيات الذهب وتنويع المحافظ الاستثمارية مؤشرات على إدراك أن العالم يدخل مرحلة مختلفة. أوروبا تراقب هذه التحولات بقلق، فأي تصدع في نظام البترودولار سيهزّ النظام المالي العالمي بأكمله.

​الإمبراطوريات المالية لا تسقط فجأة، بل تبدأ بفقدان الاحتكار الكامل، ثم بفقدان اليقين، ثم بظهور البدائل. الخليج اليوم لا يغادر المعسكر الأميركي، لكنه يفتح نوافذ واسعة على الشرق ويبني مخارج طوارئ للمستقبل.

​ما يجري هو صراع على شكل النظام الدولي القادم: من يملك الطاقة؟ من يتحكم في طرق التجارة؟ ومن يفرض العملة؟ الإجابات لم تعد محسومة، فالمعارك الكبرى المقبلة قد لا تبدأ بالدبابات، بل بالأرقام، والموانئ، وشبكات الدفع البنكية التي تتحكم في مصير الجميع.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى