
صحراءٌ عراقيةٌ بعيدة كانت كافية لتمزيق ستارٍ طويل من الأوهام.
قاعدة إسرائيلية سرية… قوات خاصة… طائرات ومروحيات… اشتباكات مع قوات عراقية… ثم ارتباك رسمي وتسريبات متضاربة، كأن المنطقة كلها اكتشفت فجأة أنها كانت تعيش سنواتٍ من الغفلة، بينما تُدار فوق أراضيها أخطر التحولات العسكرية والاستخباراتية في تاريخها الحديث.
العنوان هنا لا يبالغ…
فما جرى في النجف لم يفضح اختراقًا أمنيًا فقط، بل كشف أيضًا حجم الاستغفال الذي عاشت عليه شعوبٌ ظنت أن السيادة ما تزال قائمة، بينما كانت الخرائط تُعاد كتابتها بصمتٍ تحت أقدامها.
العراق الذي أُنهك بالاحتلال الأميركي، ثم بالحرب الطائفية، ثم بالإرهاب، عاد فجأة ليجد نفسه مسرحًا لحرب أخرى تُدار فوق أرضه، بينما تصل الأخبار إلى شعبه عبر صحف أجنبية لا عبر مؤسساته الرسمية.
وهنا تحديدًا تتجلى قسوة المشهد:
دولة تبحث عن تفاصيل ما جرى داخل حدودها من خلال التسريبات الغربية، لا من خلال منظومتها السيادية.
تقارير وول ستريت جورنال ثم لوموند الفرنسية لم تتحدث عن نقطة مراقبة صغيرة أو تحرك استخباراتي عابر، بل عن قاعدة متكاملة أُنشئت في عمق الصحراء قرب الحدود السعودية، قبل الحرب الأخيرة على إيران بفترة قصيرة، وجرى استخدامها لدعم العمليات الجوية الإسرائيلية بالتنسيق مع الولايات المتحدة.
المعلومات المسرّبة تحدثت عن قوات خاصة إسرائيلية، ووحدات إنقاذ للطيارين، ومنظومات رادار واتصالات، ومعدات لوجستية متقدمة، بل وحتى مدرج هبوط قديم يعود إلى حقبة صدام حسين أُعيد استخدامه داخل منطقة صحراوية يصعب رصدها.
المكان لم يُختر عبثًا.
الصحراء الممتدة بين النجف والأنبار واحدة من أكثر المناطق فراغًا في العراق، وتمنح حرية حركة عالية للطيران والمروحيات والعمليات الخاصة.
الأخطر أن القوات العراقية التي اقتربت من المنطقة ـ بعد بلاغات من رعاة محليين عن تحركات مروحيات ونشاط عسكري غير مألوف ـ تعرضت لهجوم دموي أدى إلى مقتل جندي وإصابة آخرين.
الروايات العراقية الأولى تحدثت عن «قوة مجهولة»، قبل أن تبدأ التسريبات الغربية في رسم صورة مختلفة تمامًا لما جرى.
بعض المصادر الأمنية العراقية التي تحدثت لوكالات أجنبية قالت إن بغداد كانت تظن بداية أن الوجود هناك أميركي فقط، بحكم الانتشار العسكري الأميركي المعروف داخل العراق منذ سنوات، قبل أن تتضح ـ تدريجيًا ـ طبيعة الدور الإسرائيلي.
هذه النقطة بالذات هي جوهر «الغفلة والاستغفال» معًا.
الغفلة عن التحولات الجارية في خرائط النفوذ الإقليمي، والاستغفال الذي جعل الرأي العام العربي يُترك طويلًا خارج دوائر المعرفة الحقيقية، بينما تُدار فوق أرضه تفاهمات وتحالفات وحروب لا يعلم عنها إلا ما يتسرب لاحقًا.
البرلمان العراقي تحرك سريعًا تحت ضغط الغضب الشعبي والسياسي، وبدأ الحديث عن استدعاء وزيري الدفاع والداخلية وقادة الأجهزة الأمنية، بينما حاولت الحكومة احتواء الصدمة عبر التأكيد أن القوات العراقية تحركت فور الاشتباه بوجود قوات أجنبية غير مصرح بها.
لكن الأسئلة التي انفجرت داخل العراق بدت أكبر من قدرة البيانات الرسمية على احتوائها.
كيف دخلت هذه القوات؟
من وفّر الحماية الجوية واللوجستية؟
كيف جرت التحركات من دون رصد كامل؟
وهل تحوّلت بعض مناطق العراق إلى ساحات عمليات مفتوحة خارج سيطرة الدولة؟
إسرائيل التزمت الصمت الرسمي، وهو صمت له دلالته.
فالدولة العبرية اعتادت ألا تؤكد أو تنفي كثيرًا من عملياتها الخارجية، خصوصًا تلك المرتبطة بالعمليات السرية والحروب غير المعلنة.
غير أن تصريحات قادة الجيش الإسرائيلي خلال الحرب الأخيرة، والتي تحدثت عن «عمليات تتجاوز الخيال»، بدت لاحقًا أقرب إلى اعتراف غير مباشر بما جرى.
الولايات المتحدة اختارت بدورها لغة ضبابية.
لا نفي كامل، ولا اعتراف صريح.
لكن كثيرًا من التقارير والتحليلات الغربية تحدثت عن تنسيق أميركي-إسرائيلي كامل في إدارة العمليات ضد إيران، بما يشمل الدعم اللوجستي والاستخباراتي وتبادل المعلومات.
إيران من جهتها قرأت ما جرى باعتباره تطورًا بالغ الخطورة.
فوجود قاعدة إسرائيلية قرب حدودها الغربية لا يُنظر إليه في طهران كحادث عابر، بل كبداية محتملة لبنية عملياتية دائمة تسمح بتوسيع نطاق المواجهة مستقبلًا.
أما دول الخليج، فقد تابعت التسريبات بقلق واضح، لأن تثبيت مثل هذه القواعد والتحالفات العسكرية السرية يعني أن المنطقة تتجه نحو إعادة تشكيل شاملة لخرائط النفوذ العسكري، وربما نحو مرحلة تصبح فيها الحدود التقليدية أقل أهمية من شبكات القواعد والتحالفات العابرة للدول.
العراق هنا ليس مجرد ساحة جانبية.
إنه قلب الجغرافيا العربية الممزقة بين المشاريع المتصارعة.
بلد يقف عند تقاطع النفوذ الأميركي والإيراني والتركي والإسرائيلي والخليجي، ولهذا يصبح دائمًا أكثر الدول قابلية للتحول إلى ميدان لحروب الآخرين.
الحقيقة التي تكشفها هذه الأزمة أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة من «الحروب الرمادية».
حروب لا تبدأ بإعلان رسمي، ولا تنتهي باتفاق واضح، ولا يعرف المواطن العادي من يقاتل فيها ومن يتحالف مع من.
قواعد سرية، طائرات مجهولة، قوات خاصة، تسريبات صحفية، ثم بيانات مرتبكة تأتي متأخرة بعد أن يكون كل شيء قد حدث بالفعل.
المؤلم أن المواطن العربي بات يعرف كثيرًا من تفاصيل أمنه القومي عبر الصحافة الأجنبية، بينما تبدو المؤسسات الرسمية أحيانًا وكأنها تطارد الأخبار بدلًا من صناعتها أو كشفها.
أخطر ما في القضية أن القاعدة ـ إن ثبتت كل تفاصيلها ـ ليست مجرد موقع عسكري، بل علامة على تراجع فكرة السيادة نفسها داخل المنطقة.
فالسيادة لا تضيع فقط بالاحتلال المباشر، بل تضيع أيضًا عندما تصبح الأرض مفتوحة لحروب الآخرين، والسماء مفتوحة لطائراتهم، والقرار مرهونًا بتفاهمات لا يعلمها أصحاب البلاد أنفسهم.
لهذا بدا العنوان أكثر من مجرد توصيف صحفي.
فالقاعدة لم تفضح الغفلة وحدها… بل كشفت أيضًا حجم الاستغفال الذي عاشت عليه المنطقة طويلًا، وهي تظن أن ما يجري خلف الستار لن يصل يومًا إلى قلبها المكشوف.







