
الأصغر سنًا… الأكبر في أشياء لا تُشترى
يمضي بعض الناس من الدنيا،
لكنهم يتركون خلفهم
ذلك الفراغ الموجع.
لا لأنهم كانوا الاكثر شهره،
ولا لأنهم امتلكوا سلطةً وثروة،
بل لأنهم كانوا ،بشرًا حقيقيين.
هكذا كان
صديقي العذب الرقيق الراحل
محمود بكري.
في ذكرى رحيله،
أستعيد صورته أمام عيني
أستعيد إنسانًا
كان يعرف كيف يحافظ على قلبه
وسط زمنٍ فقد فيه كثيرون قلوبهم.
كان الأصغر سنًا…من شقيقه الأكبر
مصطفى بكري
لكنه بدا دائمًا
الأكبر في أشياء لا تُقاس بالعمر:
خلقًا،
وتواضعًا،
ووفاءً،
واحترامًا لنفسه
وللآخرين.
عرفته عن قرب،عبر صداقتي بشقيقه
ورأيت فيه تلك التركيبة النادرة
التي تجمع بين الصلابة والوداعة.
كان حادًا في معاركه
المبدئيه والصحفية،
لكنه نقيّ صادق في مواقفه.
يختلف معك سياسيًا،
ثم يفتح لك قلبه
دون حسابات.
ويغضب بشدة،
ثم يسامح بسرعة
يشبه أبناء الصعيد
الذين لم تفسدهم المدن.
جاء من الجنوب المصري،
من قرية المعنه في عمق الصعيد
من الأرض التي تُخرج رجالًا
يشبهون النخيل؛
قساة على العواصف،
فياضين في العواطف
محمود…..
حمل داخله دائمًا
الانتماء العميق للمكان،
وللناس العاديين،
وللغة التي تصل مباشرة إلى القلب.
دخل الصحافة
من بوابة وصحيفة الشعب
وفي داخله حلم قديم
أن تكون الكلمة سلاحًا
لمن لا يملكون سلاحًا.
ثم تنقل قلمه بين الصحف،
وكتب بعفوية المحارب
لا ببرود الموظف.
وكان واضحًا…
لا يعرف الخبث ولا الغدر.
لم يكن من مدرسة “الحياد البارد”،
بل من مدرسة الانحياز.
ينحاز كما يشعر،
ويكتب كما يؤمن،
ويواجه كما يرى.
قد تتفق معه،
وقد تختلف،
لكنك لا تستطيع أن تتهمه
بالغش ولا الزيف.
امتلك حضورًا انسانيا
لم تصنعه الشاشات ،
بل صنعته قدرته
على أن يبدو قريبًا من الناس.
كان يتحدث بلسانهم،
ويغضب لغضبهم،
ويفرح ببساطتهم،
كأنه واحد منهم
رغم الضجيج الذي أحاط بمن حوله،
كان داخله شديد الهدوء والحساسية.
التي يلمحها من اقترب منه .
كان يتألم بسرعة،
ويفرح بسرعة،
ويحزن من الجحود
كما يحزن الأطفال.
أذكر فيه دائمًا
هذا الاحترام النادر للآخرين.
يعرف قيمة الناس،
ويحفظ الود،
ولا يتعامل مع العلاقات
كأوراق سياسية مؤقتة.
كان وفيًا…
بطريقة قديمة
لم تعد موجودة كثيرًا.
وربما لهذا
بقيت صورته الإنسانية
أكبر من أي خلافات،
وأعمق من أي معارك.
فالسياسة تنتهي،
لكن الأخلاق تبقى.
حين جاءه المرض،
واجهه بكل شجاعة.
كان يعرف أن الجسد يتعب،
لكن الروح التي اعتادت المواجهة
لا تستسلم بسهولة.
حتى أيامه الأخيرة،
ظل متعلقًا بالكلمة،
وبالناس،
وبالحياة نفسها.
في رحيله،
شعر كثيرون
أن مصر فقدت واحدًا
من أبناء الصحافة
الذين يعيشون المهنة
بقلوبهم
لا بمصالحهم.
سلام على روحك الطاهرة
يا محمود.
سلام على قلبك النقي
الذي بقي أنظف
من كثيرٍ من المعارك التي خضتها.
وشكرًا للزميل العزيز
عماد ناصف
الذي يثبت دائمًا
أن الوفاء للرموز المحترمة
شكلٌ آخر من أشكال النبل والشجاعة.
بعض الرجال
لا يرحلون تمامًا…
يبقون في نبرة صوت،
وفي ذكرى موقف،
وفي دعوة صادقة
تخرج من قلب صديق
كلما مرّ الاسم أمامه.
وهكذا يبقى
محمود بكري…
وجهًا لا يغيب.








