مقالات وآراء

بكير أتاجان اسطنبول يكتب : الشرق الأوسط الجديد: حين تصبح الفوضى أداة قوة

لم تعد القوة في الشرق الأوسط تُقاس فقط بحجم الجيوش أو عدد التحالفات، بل بقدرة الدولة على التأثير في استقرار النظام الإقليمي نفسه.
فالعالم اليوم لا يتحرك وفق مفاهيم الشرعية أو النفوذ التقليدي وحدها، بل وفق معادلة أكثر تعقيدًا:
من يملك القدرة على رفع كلفة الفوضى… يملك جزءًا كبيرًا من القوة.


ومن هنا يمكن فهم السلوك الإيراني خلال السنوات الأخيرة.
فطهران لم تعد تعتمد فقط على أدوات النفوذ التقليدية، بل تعمل على بناء منظومة ردع متعددة المستويات، تبدأ من الجغرافيا البحرية، وتمر بالطاقة والممرات التجارية، وصولًا إلى البرنامج النووي والتوازنات الأمنية الإقليمية.
من مضيق هرمز، إلى أمن الملاحة، إلى التلميح بإمكانية رفع مستويات التخصيب النووي، تسعى إيران إلى ترسيخ معادلة واضحة:
أي محاولة لعزلها أو خنقها لن تبقى أزمة محلية، بل قد تتحول إلى أزمة إقليمية أو حتى دولية.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«القوة عبر هشاشة النظام».
أي توظيف حساسية الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، والممرات البحرية، والتوازنات الأمنية، كأدوات ردع غير مباشرة.
فالردع لم يعد قائمًا فقط على منع الحرب، بل على جعل كلفة عدم الاستقرار مرتفعة على الجميع.
لكن هذه المعادلة لا تخص إيران وحدها.
فالولايات المتحدة تستخدم بدورها العقوبات، والضغط الاقتصادي، والهيمنة البحرية لإعادة تشكيل موازين القوة، بينما تعتمد إسرائيل على التفوق العسكري والتكنولوجي لمنع خصومها من الوصول إلى توازن ردع فعلي.
أما دول الخليج، فتعيش مرحلة إعادة تقييم عميقة لمفهوم الحماية التقليدية، خصوصًا مع تزايد الشكوك حول قدرة المظلات الأمنية القديمة على توفير استقرار كامل في بيئة إقليمية شديدة التقلب.
وفي المقابل، تتحرك قوى إقليمية أخرى وفق الإدراك ذاته:
إذا لم تستطع فرض موقعك داخل النظام القائم، فعليك امتلاك أوراق تجعل تجاهلك مكلفًا.
وهنا تبرز تركيا بوصفها أحد أبرز نماذج الشرق الأوسط الجديد؛
فأنقرة لم تعد تكتفي بدور الحليف التقليدي داخل المنظومة الغربية، بل تسعى إلى بناء موقع مستقل يقوم على الموازنة بين القوة العسكرية، والنفوذ الجيوسياسي، والتحكم بمسارات الطاقة والممرات الاستراتيجية، مع استخدام المرونة الدبلوماسية كأداة لتوسيع هامش الحركة وتعظيم النفوذ الإقليمي والدولي.
وهكذا تنتقل المنطقة تدريجيًا من مفهوم “الأمن عبر القواعد” إلى مفهوم “الأمن عبر الردع المتبادل والخوف من الانهيار”.
والخطر الحقيقي هنا لا يكمن فقط في احتمالات الحرب، بل في تحوّل التوتر الدائم إلى أداة سياسية بحد ذاته.
فكل طرف يحاول الاقتراب من حافة التصعيد دون السقوط الكامل فيها، على افتراض أن الطرف الآخر سيتراجع أولًا خوفًا من الانفجار الكبير.
ولهذا تبدو المنطقة أمام مرحلة مختلفة من إعادة تعريف القوة.
فلم تعد السيطرة على الأرض وحدها كافية، بل أصبحت القدرة على التأثير في الطاقة، والتجارة، والممرات البحرية، والاستقرار الاقتصادي، وحتى التدفقات الرقمية، جزءًا أساسيًا من معادلات النفوذ الحديثة.


والمفارقة أن القوى التي تطالب بضمانات أمنية ومكان داخل النظام الإقليمي، تستخدم في الوقت نفسه أدوات تجعل هذا النظام يعيش في حالة قلق دائم.
وهذه ليست معضلة دولة واحدة، بل معضلة الشرق الأوسط بأكمله.
فالمنطقة التي قامت لعقود على توازنات وتحالفات واضحة، تدخل اليوم مرحلة أكثر سيولة وغموضًا، حيث يتحول الخوف من الفوضى إلى عنصر من عناصر إدارة الصراع، لا مجرد نتيجة له.
وهنا تكمن الخطورة الأكبر:
ليس فقط لأن المنطقة تقترب من حافة الهاوية…
بل لأن القلق من السقوط نفسه أصبح جزءًا من توازن القوة

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى