من ذاكرة التاريخ.. الأميرة أمينة إلهامي “الوالدة باشا” وأم المحسنين التي علمت الأمة

في صفحات التاريخ المصري، تبرز أسماء نساء حفرن بذكراهن قصصاً من العطاء والبر، وعلى رأسهن تأتي الأميرة أمينة هانم إلهامي (1858 – 1931). هي “صاحبة العصمة”، و”سيدة التعليم الأولى”، والمرأة التي استحققت بجدارة لقب “أم المحسنين”؛ فبينما كانت القصور تُبنى للمباهاة، كانت قصورها منارات للعلم وملاذاً للفقراء، لتصبح نموذجاً فريداً في الجود والسخاء والانتماء لهوية الأمة.
من “أفراح الأنجال” إلى عرش القلوب
ولدت الأميرة أمينة في 24 مايو 1858، وهي حفيدة الوالي عباس حلمي الأول. نشأت في بيت علم ودين، فأتقنت العربية والتركية وتشرّبت آداب الإسلام. اقترنت بالأمير (الخديوي لاحقاً) محمد توفيق عام 1873 في احتفالات “أفراح الأنجال” الأسطورية، التي شهدت ذبح الذبائح للفقراء وإطعام العامة، وكأن القدر كان يمهد الطريق لامرأة سيكون الفقراء هم شغلها الشاغل طيلة حياتها.
“أم المحسنين”.. مدرسة التعليم والجود
لم تكتفِ الأميرة أمينة بلقب “حرم الخديوي”، بل جعلت من مكانتها وسيلة للإصلاح الاجتماعي. يُنسب إليها الفضل في تأسيس، والمدارس الإلهامية: التي شملت التعليم الابتدائي للبنات، والثانوي للبنين، والتعليم الصناعي، وإحياء التراث: أنشأت مدرسة لتعليم الطراز الفرعوني والإسلامي في الزخارف والأثاث، حرصاً منها على الهوية الفنية لمصر، والبعثات العلمية: كانت تنفق من مصروفها الشخصي (600 كيس سنوياً) لتمويل بعثات دراسية للطلاب المصريين بالخارج، مؤمنة بأن نهضة الوطن تبدأ من العقل.
“الوالدة باشا” وحارس القيم في المنفى
بعد وفاة الخديوي توفيق عام 1892، أصبحت هي “الوالدة باشا” بعد تولي ابنها عباس حلمي الثاني العرش. كانت شديدة التدين، تحث أبناءها وهم في الخارج على المحافظة على الصلاة والقيم الشرقية. وفي إسطنبول، عُرفت بلقب “الوالدة باشا” أيضاً، كأول امرأة تحمل هذا اللقب في التاريخ العثماني تقديراً لمكانتها ونبلها، وهناك بنت قصرها الشهير على مضيق البوسفور بأسلوب الفن الحديث.
قبة أفندينا.. الوداع الأخير لرحلة العطاء
لم تترك الأميرة أمينة أثراً في النفوس فقط، بل تركت أثراً في العمارة الإسلامية ببنائها “قبة أفندينا” (ضريح الخديوي توفيق) في صحراء المماليك، والتي اختارت طرازها المملوكي بعناية فائقة لتكون مدفناً للعائلة. نالت وسام “الشفقة” و”الامتياز”، وظلت تعمل للخير حتى وفاتها في تركيا عام 1931.
عندما نُقل جثمانها إلى مصر في 26 يونيو 1931، أُعلن الحداد الملكي لمدة 20 يوماً، وحزن عليها المصريون حزناً عميقاً؛ فقد فقدوا “الأم الكبرى” التي لم تبخل يوماً بمالها أو جهدها لرفعة شأن الفلاح واليتيم والطالب المصري.
رحم الله “الوالدة باشا” أمينة إلهامي، التي أثبتت أن عظمة القصور تكتمل حين تُفتح أبوابها للمحتاجين، وأن خلود الذكر لا يكون إلا بالعمل الصالح.







