إمبراطوريات التجارة الملكية.. حكاية “عمر أفندي وصيدناوي وباتا” من المجد إلى التأميم

في ذاكرة مصر التاريخية، تبرز أسماء كانت يوماً ما “جوهرة التاج” في عالم التجارة والخدمات؛ أسماء مثل «عمر أفندي، صيدناوي، شيكوريل، بنزايون، وباتا».
لم تكن هذه مجرد محلات للبيع والشراء، بل كانت عناوين للرقي الاجتماعي، ومقاصد للطبقات الأرستقراطية التي كانت تفتخر باقتناء بضائع تحمل أختام هذه الدور العريقة. نأخذكم في جولة داخل كواليس هذه السلاسل التي بدأت بجهود الأجانب والشوام، وانتهت تحت راية الدولة المصرية.
عمر أفندي.. من ضابط مجري إلى “أيقونة” مصرية
تأسست هذه السلسلة عام 1865 تحت اسم «أوروذدي باك»، بمبادرة من ضابط بالجيش المجري يدعى «أودلف أوروذدي». بدأت بمحل في شارع عبد العزيز بالقاهرة لخدمة الأجانب والمصريين، وبحلول عام 1900 كان لها أكثر من 60 فرعاً. في عام 1920، اشتراها ثري يهودي مصري وأطلق عليها اسم «عمر أفندي». أممتها الدولة عام 1957، ثم مرت برحلة مثيرة من الخصخصة لشركة سعودية عام 2006 قبل أن تعود لحوزة الحكومة المصرية مرة أخرى بعد نزاعات قضائية شهيرة.


صيدناوي.. قصة كفاح “شوام” في قلب الموسكي
تعد محلات سليم وسمعان صيدناوي (تأسست عام 1913) قصة نجاح ملهمة لشقين من الشام بدآ بمحل خردوات صغير في “الحمزاوي”. وبفضل الاجتهاد، شيدا تحفة معمارية في ميدان “الخازندار” بحي الموسكي على مساحة تجاوزت 8 آلاف متر. افتتح الصرح الكبير عام 1913 ليكون مقصداً لكل من يبحث عن الأقمشة والمستلزمات الفاخرة، حتى طالتها يد التأميم في الستينيات لتصبح شركة مساهمة مصرية.
شيكوريل وباتا.. الأناقة الإيطالية والجودة التشيكية
شيكوريل (1887): أسستها عائلة إيطالية برئاسة “مورينو شيكوريل”. كانت المتجر المفضل للعائلة الملكية المصرية. تعرض المتجر للاحتراق مرتين (في حرب فلسطين 1948 وحريق القاهرة 1952)، وانتهى بها الأمر تحت الحراسة عقب عدوان 1956، ورحل أصحابها إلى أوروبا عام 1957.
باتا: شركة عالمية أصلها تشيكي، دخلت مصر في الثلاثينيات وبنت مصنعاً ضخماً للأحذية. ارتبط اسمها بجودة “تعمر لسنوات”، حتى فُصلت عن الشركة الأم بالتأميم عام 1961، لتستقر في وجدان المصريين كأكبر شركة أحذية في تاريخهم.
عائلات المال والسياسة: من النفط إلى الفنادق
لم تقتصر استثمارات تلك العائلات على الملابس، بل امتدت لتشمل قطاعات استراتيجية، عائلة عدس: أسست الشركة المصرية للبترول، ومجموعة محلات شهيرة مثل “بنزايون وريفولي”، وعائلة موصيري: عائلة إيطالية استقرت في مصر، أسست “شركة فنادق مصر الكبرى” التي ضمت فنادق تاريخية مثل “مينا هاوس وسافوي وكونتيننتال”، بالإضافة لشركة “جوزي فيلم” للسينما.
ما بعد 1952.. التحول الكبير
بعد ثورة يوليو 1952 والعدوان الثلاثي عام 1956، تغيرت الخارطة الديموغرافية والاقتصادية لليهود والأجانب في مصر، حيث تمت عمليات تأميم واسعة. ومع رحيل معظم هؤلاء الملاك وتصفية أعمالهم، آلت هذه الكيانات الضخمة للدولة. واليوم، وبعد سنوات من الخسائر ومحاولات الخصخصة المتعثرة، قررت الدولة الإبقاء على ما تبقى من هذه الشركات (صيدناوي، بنزايون، هانو) تحت مظلة “الشركة القابضة للسياحة والفنادق”، مع محاولات مستمرة لإعادة الهيكلة والشراكة مع القطاع الخاص لإعادة إحياء هذه الأمجاد التاريخية.










