
أكتب اليوم لا لأُحصي سنواتٍ عبرت، بل لألمس بأصابعي وجوهًا أضاءت العتمة، وأفتح في القلب نافذةً على قافلةٍ لم تولد من رفاهية الحلم، بل من وجع المنفى ونُبل الرسالة. ثلاثة عشر عامًا مرّت على الشرق، كأنها ثلاثة عشر جسرًا بين الغياب والحضور، وبين الوطن الذي غادرناه بالجسد، والوطن الذي لم يغادرنا لحظةً واحدة.
لم تكن الشرق شاشةً فقط، بل بيتًا من نورٍ في ليلٍ طويل؛ جدارًا اتكأت عليه أرواحٌ أنهكها الصمت، وسقفًا تجمّع تحته مؤمنون بأن الكلمة قد تُجرح، لكنها لا تموت. قافلةٌ خرجت عام 2014 من رحم الغربة، تحمل مصر في حقيبة القلب، وتمضي فوق الرمل والجمر، لا تسأل الطريق عن قسوته، بل تسأله فقط: أين يقف الحق؟
ثلاثة عشر عامًا… وما بين الرقم والرقم، أعمارٌ كاملة من التعب النبيل، والسهر الطويل، والخوف الذي كتمناه في صدورنا كي لا يراه أحد. عرفنا فيها ما يُقال وما لا يُقال؛ عرفنا كيف يمكن لكلمةٍ أن تُطارد صاحبها عبر الحدود، وكيف يصبح الميكروفون أحيانًا أثقل من البندقية، لأن الرصاصة قد تُصيب جسدًا، بينما الكلمة الصادقة تُربك عروشًا كاملة.
عرفنا في هذه الرحلة وجوهًا جاءت تركض نحونا في مواسم الصعود، ثم اختفت مع أول اختبارٍ للعاصفة. عرفنا مرارة الخذلان، وقسوة الحسابات، ووحشة المنفى في ليالٍ لا يسمع أنينها أحد. أطفئت أنوارٌ كثيرة حولنا، وتبدّلت خرائط، وسقطت أسماء، وتغيرت وجوه، وبقيت الشرق تمضي، أحيانًا بقلبٍ مثقل، وأحيانًا بظهرٍ متعب، لكنها لم تنحنِ.
ما نستطيع أن نقوله أن هذه القافلة لم تُصنع من مالٍ وفير، ولا من رفاهيةٍ سياسية، بل صُنعت من قلوبٍ آمنت بأن الوطن أكبر من الخوف، وأن الكلمة إذا شرفت لا تُباع ولا تُؤجَّر. وما لا يُقال أن خلف كل ساعة بثٍّ حكاياتٍ من القلق والصبر والدموع المؤجلة، وأن وراء كل ابتسامةٍ على الشاشة قلوبًا كانت تُخفي أوجاعها كي لا تسقط صورة الأمل من عيون الناس.
عرفنا أيضًا أن المنفى ليس مكانًا فقط، بل امتحانٌ قاسٍ للروح. امتحانٌ يكشف المعادن الحقيقية للبشر؛ مَن يبقى وفيًّا، ومَن يبيع، ومَن يتعب فيصمت، ومَن يزداد نقاءً كلما اشتدت العاصفة. ثلاثة عشر عامًا تعلّمنا فيها أن بعض المعارك لا يُحتفل بالنجاة منها، بل يُكتفى فيها بالحمد الصامت، لأن الناجين يعرفون وحدهم حجم النار التي مرّوا من وسطها.
وبرغم ذلك كله، بقيت الشرق قادرةً على أن تفتح نافذةً في الجدار، وشمعةً في آخر النفق، ومساحةً لصوتٍ عربيٍ حرّ، في زمنٍ صار فيه الصمت أكثر أمانًا من الكلام. تعبنا كثيرًا، نعم، لكننا لم نفقد إيماننا بأن الأوطان التي تُحب بصدق تستحق أن نواصل السير لأجلها، ولو بأقدامٍ متعبة وقلوبٍ مثقلة بالحنين.
أبدأ من الرجل الذي حمل البذرة الأولى وزرعها في أرضٍ شحيحة المطر، لكنه كان يرى الغد قبل أن يراه غيره: الدكتور باسم خفاجي، مؤسس الشرق في انطلاقتها الأولى. من رؤيته خرجت الشرارة، ومن جرأته ارتفع الصوت، حتى صار النداء يصل من مصر إلى المشرق والمغرب العربي، وإلى كل مكانٍ ما زال فيه قلبٌ عربي يبحث عن نافذة.
وبعده، أفتح صفحة الصديق العزيز أحمد عبده، وهو في العاصمة الهولندية التي أشتاق إليها شوقًا للقائه، ولرؤية ملامحه الطيبة في وجوه أسرته التي صارت بعضًا من عائلتي. أحمد عبده رجلٌ يشبه المرافئ الهادئة بعد عواصف البحر؛ حزمٌ بلا قسوة، وحنانٌ بلا ضعف، وقيادةٌ تعرف أن السفن لا تُقاد بالصراخ، بل بالبصيرة. يكفي حضوره كي تستقيم الفوضى، ويكفي صمته كي تسمع المؤسسة صوت العقل. لك يا أحمد محبةٌ لا تحتاج إلى مناسبة، وامتنانٌ لا تكفيه الكلمات.
ومع أحمد، يحضر رفيق الرحلة مسعد البربري، رئيس تحرير قناة الشرق وعقلها المتقد. مسعد ليس مجرد إعلامي، بل عينٌ ترى الخبر قبل أن يطرق الباب، وذاكرةٌ تلتقط ارتعاشة الحدث قبل أن يصير عنوانًا. بدأت معرفتنا زمالةً، ثم صارت صداقةً نادرة؛ صداقةً لا تُعلن كثيرًا، لكنها تقيم في القلب مطمئنةً كبيتٍ قديم.
أما الدكتور ماجد عبد الله، فهو ذاكرة البدء، وواحدٌ من الذين وضعوا اللبنات الأولى للحلم. رجلٌ يخلط حكمة الكبار بدهشة الأطفال؛ يغضب لأن قلبه حاضر، ويعاتب لأن وفاءه لا يعرف البرود. كل زاويةٍ في الشرق ما زالت تحفظ شيئًا من صوته، وخطواته، وصدقه.
ويطلّ الدكتور الشيخ عصام تليمة، صاحب الروح الخفيفة والعقل الواسع، وصوت التجديد الرصين. يذكّرنا دومًا بأن الدين إذا خلا من الرحمة صار عبئًا على الناس، وأن الفكر إذا خاف السؤال فقدَ جناحيه. خفيف الظل، سريع البديهة، حاضر القلب، يقدّم الإسلام كما عرفناه في بيوت أمهاتنا: محبةً، وسماحةً، ونقاء.
وإلى الشيخ الدكتور سلامة عبد القوي، رمز الاعتدال والتقريب، وصوت الفهم الديني والسياسي الراقي على شاشة الشرق. كلماته قليلة، لكنها تعرف طريقها إلى موضعها، كحجرٍ كريمٍ لا يحتاج إلى ضوءٍ كثير ليُرى. يعيد إلى الحوار وقاره، وإلى الاختلاف أدبه، وإلى الخطاب روحه الهادئة.
وأذكر بكل الامتنان ابني الحبيب وزميلي العزيز في حزب غد الثورة وموقع أخبار الغد نادر فتوح، رئيس قافلة الإعداد في قناة الشرق، ورئيس تحرير موقع أخبار الغد. شابٌّ يعرف أن النص ليس حروفًا مرصوصة، بل أمانةٌ تُصاغ خلف الكواليس، وأن التفاصيل الصغيرة قد تكون أحيانًا هي التي تمنح المشهد كله معناه.
أما المخرج المبدع محمود لطفي، مدير البرامج الأسبق، فقد منح الوثائقيات في الشرق نبضًا خاصًا، وجعل الصورة لا تكتفي بأن ترى، بل تشهد، وتتذكر، وتقاوم النسيان.
وفي جناح الفن، يجيء الرائع محمد شومان، صاحب القلب الأطيب، الذي جعل الضحكة جناحًا للنجاة، وحوّل السخرية إلى وردةٍ تُلقى في وجه القبح. ويتقدّم المشهد النجم السينمائي هشام عبد الحميد، الفنان المثقف صاحب الحضور الراقي، ومعه هشام عبد الله، الوجه الشجاع الذي لم يساوم على موقفه. ويكتمل المشهد بالمخرج والمفكر والناقد السينمائي عز الدين دويدار، الذي يعرف أن الفن، حين يصدق، يصبح ضميرًا آخر للأمة.
وأتوقف طويلًا أمام واحدٍ من أنبل رجال هذه القافلة: المخرج إبراهيم الغمري، مدير التشغيل، وضمير الكادر الفني خلف الكواليس. وهو وكل فريقه نموذج لرجلٌ يمشي بالأخلاق قبل الخطوات، ويترك في المكان طمأنينةً تشبه دعاء الأمهات. إلى جانبه ومن فريقه: المهندس مدحت، والمخرج المبدع ضياء الملوحي، والمخرج حسان الملوحي، والمخرج خالد حشمت، وأنس المالك مايسترو الإضاءة، وطارق تمراز فنان الصوت، والمهندس عبد الغني قره حمود متعدد المواهب التقنية. هؤلاء لا يقفون أمام الكاميرا، لكن الكاميرا تقف على أكتافهم.
ولا تكتمل الصورة دون نجوم الشاشة الكبار: الإعلامي القدير عماد البحيري، والصحفي المخضرم الدكتور أحمد عطوان، والصحفي والحقوقي الليبرالي المخضرم زميل مدرسة الوفد أحمد سميح، والإعلامي القديم من الرعيل الأول بالشرق أحمد العربي، والمهندس والحقوقي هيثم أبو خليل، وابن البلد الجدع وليد الهواري، والإعلامي الاقتصادي المتمكن محمد محيي الدين، والمذيع الذي يملك أدواته طارق أبو شريفة. كما يبرز صوت السودان الإعلامي ناجي الكرشابي، مقدم برنامج الشارع السوداني، ومعه مناضل مراسلنا في الخرطوم، وعلم الدين مراسلنا في غزة، وقطب مراسلنا في دمشق، وكثير من الوجوه المصرية والعربية التي جعلت من الشاشة مرآةً لأوجاع الناس وأحلامهم.
وفي جناح نجمات الشرق، تحضر دعاء حسن، وفيروز حليم، وهدير علي، وهبة مصطفى، نجماتٍ بالكلمة والحضور والاحترام المهني. ومعهن يحضر الكاتب الصحفي الكبير قطب العربي، صاحب البرنامج الشهير “بين الصحافة والسياسة”، صوتًا يعرف أن الصحافة ليست مهنةً للكتابة فقط، بل امتحانٌ يومي للضمير.
كما أحيي محمد مجدي، المحلل السياسي وزميلي في حزب غد الثورة، الذي يقدّم برنامجه الأسبوعي من الولايات المتحدة متطوعًا، دفاعًا عن الحرية والعقل والحلم المصري. ويأتي المبدع هشام إسماعيل، مدير المركز الثقافي المصري في الشرق، طاقةً إبداعيةً لا تهدأ، ووفاءً يمشي في صمتٍ جميل، كمن يعرف أن العمل الحقيقي لا يطلب شاهدًا عليه.
وخلف العدسات، يواصل المبدعون عطاءهم: كريم الشاذلي رئيس قسم المونتاج، ومصطفى المصري المدير التنفيذي لقسم السوشيال ميديا، وعبد الرازق مغاته، الذين يمدّون عمر البث بعد انتهائه، ويجعلون اللحظة الواحدة تعيش حياةً ثانية على الشاشات الصغيرة. وفي الميدان الهندسي، يبرز صمام الأمان المهندس هاني البنا. وتأتي إدارة الذكاء الاصطناعي برئاسة الإعلامي والمهندس الخلوق عمر الشال، لتثبت أن الشرق لا تكتفي بأن تحرس الذاكرة، بل تفتح نافذةً على المستقبل.
أصدقاؤنا وزملاؤنا الأتراك الذين انخرطوا في مشروع الشرق لم يكونوا عابرين على الهامش، بل صاروا من نسيج البيت: إسراء تالوا، وحيد سيرتي، الحبيب محمد توفيق، إذهان البيرق، أصلي أوزهان، وفي مكتبي سكرتيري ومترجمي الشخصي وابني فهمي السباعي. كما يواصل العطاء في إدارة الخدمات الفنية المساعدة: إبراهيم سوسان، أحمد السيد، عبد الحميد عيون السود، أسماءٌ لا تظهر كثيرًا، لكنها تترك في التفاصيل أثرًا يشبه العطر بعد غياب صاحبه. ولا أنسى صديقي جمال حزيمة، مدير قسم الديكور وصاحب العين التي ترى الجمال في التفاصيل، وخالد السوداني صاحب القلب الرقيق والسلوك النبيل.
ولمن رحلوا عن الدنيا وبقي أثرهم، أقول: لن ننساكم، لن ننسى الشاعر المبدع الدكتور الراحل صلاح عبد الله، كما لن ننسى بصمات رموزٍ عملت في الشرق ثم فرّقتها الظروف، وفي مقدمتهم الصحفي اليساري المحترم الأستاذ جمال الجمال، والشاعر المبدع أحمد حمدي، والصحفي والإعلامي سامي كمال الدين، والمذيع المهذب يزن البوس، ورزان أمين، وأبو دان، والرائع قيثارة الشرق ياسين الذي عاد إلى وطنه العراق.
ومن النجوم الذين أثروا شاشة الشرق وبصمتها الخاصة: الإعلامي الكبير والصديق محمد ناصر، والإعلامي القدير معتز مطر، والكاتب الصحفي الكبير الأستاذ محمد القدوسي، والكاتب الصحفي المبدع الأستاذ سليم عزوز.
ولأن الشرق لكل الشرق، حتى وإن كانت مصريةً لحمًا وهمًّا ودمًا، فإن التحية تمتد لكل أشقائنا العرب من السودان وتونس والجزائر والمغرب وسوريا والعراق ولبنان، الذين شاركونا الحلم والتعب والبداية الصعبة، وتقاسموا معنا خبز الغربة وملح الأمل.
أعذروني إن غاب اسمٌ أحببته أو تفصيلٌ عشته، فالأسماء أكبر من المساحة، والقلوب أوسع من الورق. وددت لو كتبت لكل واحدٍ منكم فصلًا كاملًا، لكنني حاولت أن أجمعكم في لوحةٍ واحدة، كتبتها بالمحبة قبل الحروف، وبالوفاء قبل الذاكرة.
يا رجال الشرق ونسائها، يا عائلة الشرق الممتدة، حافظوا على بيتكم، وعلى طاقتكم، وعلى أنفسكم، فأنتم قيمةٌ مدخرة لأوطانكم. أنتم القصيدة التي لم أنتهِ من كتابتها، والوطن الذي لم تستطع الغربة أن تنتزعه مني. بكم نصبر، وبكم نقاوم، وبكم يبقى الأمل حيًا كقنديلٍ صغيرٍ يربك الظلام.
هذه السطور ليست نهاية الحكاية، بل بدايتها الجديدة. فالشرق — هذه القافلة التي تمضي منذ ثلاثة عشر عامًا — ما زالت تحمل على أكتافها أحلام الناس، وتوزّع على القلوب خبز الأمل.
هذه الكلمات ليست وداعًا، بل عهدٌ جديد بأن نكمل الطريق معًا، بالوفاء، والعمل، والمحبة، والعقل، والإيمان بأن الأوطان التي تسكننا لا تموت، ما دام فينا قلبٌ يحب، وعقلٌ يفكر، وصوتٌ يكتب، وما دامت الشرق قافلةً تمضي في زمن العتمة.







