مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: كريم ضحيه الفساد

عندما يصبح الجسد ساحة للتدريب كريم يدفع ثمن صمت الكبار وفساد منظومة حكوميه من الرئيس لاصغر موظف.

لم تكن الشمس قد أفلت بعد على ذلك اليوم الذي انقلب قدرُ طفل في العاشرة من عمره، حين تحول جسده إلى كيس ملاكمة لزملاء لم يتعلموا بعد أن للقبضة دويًا قد يهدم حياة كاملة.

كريم عمرو، تلميذ الصف السادس الابتدائي، لم يذهب إلى مدرسته في ذلك الصباح ليتعلم درسًا في الحساب أو القواعد، بل ليتلقى درسًا في القسوة البشرية لم يكن ضمن المنهج المقرر.

المشهد الأول من هذه المأساة بدأ داخل جدران فصل دراسي يفترض أن يكون ملاذًا للتعلم والأمان.

هناك، حيث ينبغي أن تعلو أصوات القراءة، علت أصوات اللكمات وهي تهوي على بطن طفل لم يبلغ الحلم بعد.

زميلان انقضا عليه بوحشية لا تشبه براءة الأطفال، ثم جرداه من إنسانيته حين كتفاه وسط الفصل، فلا هو قادر على المقاومة ولا على الاستغاثة.

والمفارقة الموجعة أن هذا كله حدث تحت سقف يرفع شعار “العلم والأخلاق”، وفي عيون يفترض أنها ترعى وتراقب.

لكن بشاعة الحكاية لم تكتمل فصولها بعد.

فحين دق الجرس إيذانًا بانتهاء اليوم الدراسي، خرج كريم يحمل جسده المثقل بالألم، ليجد أن الظلال التي لاحقته داخل الأسوار لم تكتفِ بما اقترفته.

انتظره المعتديان خارج البوابة، ليس لشيء إلا ليستكملا “تمرينًا” بدأاه في الداخل.

وقفا أمامه بدم بارد، وأطلقا جملة تقطر وحشية: “أنت تخين وإحنا هنتمرن فيك”.

جملة لا تعكس فقط عنفًا جسديًا، بل استلابًا كاملًا لإنسانية طفل، حوَّله بفعل التنمر إلى مجرد أداة للتدريب، كأنه كيس رمل في صالة ملاكمة، لا قلب له ينبض ولا روح تسكنه.

اليوم، يرقد كريم في غرفة العناية المركزة بـ”المجمع الطبي”، في مشهد يدمي القلوب ويصعق الضمائر.

الغيبوبة التي يغط في سباتها ليست نومًا عابرًا، بل هروبًا قسريًا لجسده الصغير من واقع أشد قسوة مما يحتمل.

كليتاه، اللتان كانتا تعملان في صمت كبقية أعضائه قبل أيام، توقفتا تمامًا عن العمل.

صدمة الركلات المتتالية لم تترك لهما فرصة للنجاة دون تدخل الأجهزة التي تقوم الآن بما عجز عنه الجسد.

غسيل كلى اضطراري، على أمل أن تستفيق الكليتان كما يستفيق الضمير الغائب.

في غرفة الانتظار خارج العناية المركزة، يجلس والدان توقف الزمن عندهما.

أم تمسك بطرف ثوبها وتدعو، وأب يحاول أن يفهم كيف تحول ابنه من تلميذ يضع كتبه في حقيبته صباحًا إلى جسد يحارب الموت في سرير أبيض.

بين الفصل الدراسي حيث بدأت الجريمة، وبوابة المدرسة حيث اكتملت، وبين العناية المركزة حيث تتوقف الأنفاس، ثمة مسافة من الإهمال والتقصير لا يقاس طولها بالأمتار، بل بالضمائر التي غابت حين كان ينبغي أن تحضر.

ليست هذه حادثة عابرة في سجل الأخبار، ولا هي مجرد واقعة تنمر بين تلاميذ.

إنها مرآة تعكس ما آلت إليه بعض مؤسساتنا التعليمية، حيث تتحول الساحات إلى حلبات، وحيث يغيب الكبار تاركين الصغار يصارعون وحوشًا لا قبل لهم بها.

كريم يدفع اليوم ثمن صمت الرقابة، وثمن استهانة مجتمع كامل بظاهرة التنمر التي التهمت الكثير من الأطفال في صمت، قبل أن تظهر وجهها القبيح في هذه الواقعة التي تقشعر لها الأبدان.

بينما تستمر التحقيقات وتتخذ النيابة إجراءاتها، يبقى السؤال معلقًا في الهواء الثقيل كم طفلًا آخر يجب أن يدفع حياته أو صحته ثمنًا قبل أن نفيق؟

وكم “كريم” آخر يختبئ خلف أبواب الفصول، ينتظر دوره في حلبة التدريب التي صنعها المتنمرون، بصمت من الكبار وتقاعس وفساد من المسؤولين؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى