ذاكرة التاريخ

من ذاكرة التاريخ: “صورة القرن” التي جمعت عمالقة الفكر والفن في محراب العلم

تظل ذاكرة التاريخ المصري محتفظة بلقطات لا تتكرر، لكن تبرز من بينها “صورة سينمائية” مهيبة التُقطت في رحاب جامعة القاهرة عام 1960، وتحديداً خلال احتفالات عيد العلم. لم تكن مجرد صورة تذكارية، بل كانت استعراضاً حياً لـ “القوة الناعمة” المصرية في أوج توهجها، حيث اجتمع تحت قبة الجامعة جيل العمالقة الذين صاغوا وجدان العرب فكراً، وأدباً، وفناً، في مشهد يجسد تلاحم القيادة مع الفكر والإبداع.

جبهة الفكر والصحافة: هيكل وطه حسين وفكري أباظة

في مقدمة هذا المشهد التاريخي، يظهر من اليمين الأستاذ محمد حسنين هيكل، “جوزيف هالس” الشرق وصانع السياسة بالكلمة، وإلى جواره يجلس عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، الذي كان يمثل في تلك اللحظة رمزية انتصار الإرادة والعقل. ويكتمل المثلث بوجود “شيخ الصحفيين” فكري أباظة، ليعكس هذا الصف الأول جبهة الوعي والتنوير التي قادت الرأي العام المصري والعربي لعقود.

مثلث الطرب والمسرح: أم كلثوم وعبد الوهاب ويوسف وهبي

ويتوسط كادر الصورة أقطاب الفن الذين دانت لهم القلوب؛ فتظهر سيدة الغناء العربي أم كلثوم في شموخها المعهود، بجوار موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، اللذين كان لقاؤهما في تلك الاحتفالات يمهد لـ “لقاء السحاب”. وبجانبهما يظهر “عميد المسرح العربي” يوسف وهبي، الذي نقل المسرح المصري من الهواية إلى العالمية، مشكلين بذلك القاعدة الذهبية للقوى الفنية المصرية.

الحرس القديم والشباب: من القصبجي وزكريا أحمد إلى عبد الحليم والطويل

خلف هذا الصف القيادي، تزدحم الصورة بعباقرة النغم والكلمة؛ فيظهر “شاعر الكوخ” بيرم التونسي و”شاعر الشباب” أحمد رامي، وإلى جوارهما العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، الذي كان يمثل جيل الشباب الصاعد بقوة آنذاك. وتكتمل اللوحة بوجود أعمدة التلحين: محمد القصبجي، والشيخ زكريا أحمد، والمجدد كمال الطويل، في تلاحم فريد بين جيل الرواد وجيل المجددين.

دلالات الصورة: حين كان “العلم” عيداً للإبداع

إن تكريم هؤلاء العمالقة في “عيد العلم” يحمل دلالة عميقة؛ وهي أن الفن والأدب في الوعي المصري هما “علوم إنسانية” تستحق الحفاوة الأكاديمية والرسمية. كانت هذه الصورة رسالة للعالم بأن مصر “الجمهورية” تبني نهضتها بالصواريخ والمصانع، ولكن أيضاً بالقصيدة واللحن والكلمة الحرة. واليوم، ونحن نستعيد هذه الصورة من ذاكرة التاريخ، ندرك أن عظمة الأمم تُقاس بمدى تقديرها لمبدعيها الذين منحوها خلوداً يتجاوز حدود الزمن.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى