مقالات وآراء

عمر الفطايري يكتب : الصين وأمريكا والخليج وإيران.. لماذا يصدق البعض أسطورة سقوط واشنطن؟

في كل مرة تتصاعد فيها التوترات بين الولايات المتحدة والصين، أو تظهر أزمة جديدة في الشرق الأوسط، يعود الحديث مجددًا عن نهاية أمريكا، وعن الصين التي تستعد بحسب كثيرين لابتلاع النظام العالمي، وإنهاء الهيمنة الغربية، وقيادة عالم جديد تتراجع فيه واشنطن إلى الصفوف الخلفية.
هذه الفكرة تحولت في العالم العربي، خصوصًا بعد الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب في غزة و يران٬ وتصاعد النفوذ الصيني الاقتصادي، إلى ما يشبه العقيدة السياسية لدى بعض النخب والجمهور.
هناك من يتحدث عن الصين كما لو كانت قوة ثورية عالمية تستعد لتحرير الشعوب من النفوذ الأمريكي، وهناك من يتعامل مع التقارب الصيني الإيراني باعتباره بداية انهيار النظام العالمي الذي قادته الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية. لكن المشكلة الأساسية في هذه السرديات أنها تقوم غالبًا على الرغبات النفسية أكثر من اعتمادها على قراءة حقيقية للأرقام والمصالح الاقتصادية المعقدة التي تحكم العالم.
الحقيقة أن الصين ليست في طريقها لتدمير الولايات المتحدة، كما أن واشنطن ليست على وشك الانهيار الذي يتخيله البعض٬ وما يجري في الواقع هو صراع نفوذ طويل بين قوتين عظميين، لكن داخل نظام اقتصادي عالمي مترابط، يجعل من فكرة “القضاء الكامل” على الطرف الآخر أمرًا شبه مستحيل.
وربما كان التصريح الأوضح في هذا السياق هو ما قاله الرئيس الصيني شي جين بينغ اليوم: يجب أن تكون الصين والولايات المتحدة شريكين وليس خصمين.. وننسق مع أميركا حول القضايا العالمية بعيدًا عن المواجهة.

هذا التصريح يعكس طبيعة التفكير الاستراتيجي الصيني الحقيقي، الذي يدرك أن الاقتصاد الصيني نفسه بني خلال العقود الماضية داخل النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، وليس خارجه.

الصين لم تصعد ضد أمريكا.. بل عبر النظام الذي صنعته أمريكا

من أكبر الأخطاء المنتشرة في النقاشات العربية تصور أن الصين صعدت باعتبارها مشروعا مضادًا للغرب. بينما الحقيقة أن المعجزة الاقتصادية الصينية نفسها قامت أساسًا على الانفتاح على الأسواق الغربية، وعلى رأسها السوق الأمريكية.
منذ نهاية السبعينيات، ومع إصلاحات دنغ شياو بينغ، دخلت الصين في شراكة اقتصادية هائلة مع الغرب.
الشركات الأمريكية نقلت مصانعها إلى الصين، والاستثمارات الغربية تدفقت بالمليارات، والأسواق الأمريكية والأوروبية تحولت إلى أكبر مستورد للبضائع الصينية.
بمعنى آخر: الصين لم تبنِ قوتها الاقتصادية وهي تحارب أمريكا، بل بنتها وهي تبيع لأمريكا٬ ولهذا حين ننظر إلى الأرقام الحقيقية، نفهم حجم الترابط بين الطرفين.
فبحسب بيانات عام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة نحو 582 مليار دولار.
الصين صدّرت لأمريكا ما يقارب 438.9 مليار دولار، بينما بلغت الصادرات الأمريكية إلى الصين حوالي 143.5 مليار دولار، بفائض تجاري صيني تجاوز 295 مليار دولار.


هذه الأرقام وحدها تكشف أن الاقتصادين متشابكان بشكل يصعب معه الحديث عن حرب كسر عظم يريد فيها طرف تدمير الآخر بالكامل٬ فالولايات المتحدة تمثل أحد أهم أسواق التصدير للصين، والمستهلك الأمريكي ما زال عنصرًا أساسيًا في استمرار النمو الصناعي الصيني.
في المقابل، تعتمد الشركات الأمريكية بشكل هائل على المصانع الصينية وسلاسل الإمداد القادمة من آسيا.
ولهذا، حتى في ذروة الحرب التجارية بين ترمب وبكين، لم تصل الأمور إلى قطيعة شاملة، لأن تكلفة ذلك ستكون كارثية على الطرفين.

لماذا يبالغ البعض عربيا في تصوير الصين كمنقذ عالمي؟

جزء كبير من هذه الظاهرة مرتبط بحالة الإحباط السياسي التي يعيشها الشارع العربي تجاه الولايات المتحدة٬ الحروب الأمريكية في العراق وأفغانستان، والدعم الأمريكي لإسرائيل، والانحياز الغربي في ملفات كثيرة، كلها خلقت رغبة نفسية لدى قطاعات واسعة في رؤية قوة عالمية أخرى تكسر الهيمنة الأمريكية.
ومن هنا جاء الانبهار بالصين وروسيا٬ لكن كثيرًا من هذا الانبهار تحول إلى قراءة رومانسية للعلاقات الدولية، تتجاهل حقيقة أن الصين نفسها ليست قوة أيديولوجية تسعى لتحرير العالم، بل دولة رأسمالية ضخمة تبحث عن مصالحها الاقتصادية أولًا.
الصين لا تدخل في صدامات عسكرية كبرى دفاعًا عن الحلفاء، ولا تقدم نفسها كحركة ثورية عالمية، بل كقوة اقتصادية تريد الاستقرار والأسواق والطاقة.
ولهذا فإن بكين تحافظ على علاقات ممتازة مع الخليج وإيران في الوقت نفسه، وتتعاون مع أمريكا اقتصاديًا رغم الصراع السياسي، وتحاول تجنب الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة.

إيران والصين.. تحالف الضرورة لا تحالف العقيدة

في السنوات الأخيرة، تعامل كثيرون مع العلاقات الصينية الإيرانية باعتبارها محورًا استراتيجيًا سيغير موازين العالم٬ لكن حين ننظر إلى الأرقام، سنكتشف أن الصورة أكثر تواضعًا بكثير.
فحجم التبادل التجاري بين الصين وإيران يبلغ نحو 52.8 مليار دولار فقط.


الصين تصدر لإيران بحوالي 26.1 مليار دولار، بينما تستورد منها ما يقارب 26.7 مليار دولار، معظمها نفط ومواد خام.
هذه الأرقام تظل محدودة للغاية مقارنة بالعلاقات الصينية مع الولايات المتحدة أو حتى مع الخليج.
الصين تنظر إلى إيران باعتبارها مصدرًا مهمًا للطاقة، وموقعًا جغرافيًا مهمًا ضمن مشروع “الحزام وطريق الحرير”، لكنها لا تراها بديلًا عن الغرب، ولا شريكًا قادرًا على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.
ولهذا، حين تعرضت إيران لعقوبات قاسية، لم تدخل الصين في مواجهة مفتوحة مع واشنطن دفاعًا عنها، بل تعاملت ببرجماتية شديدة، وحرصت على حماية مصالحها الأوسع.
حتى الاتفاقية الاستراتيجية بين الصين وإيران، التي جرى الترويج لها عربيًا باعتبارها تحولًا تاريخيًا، لم تتحول حتى الآن إلى انقلاب اقتصادي عالمي كما تخيل البعض.

الخليج.. الشريك الحقيقي الذي تحتاجه الصين

إذا كانت إيران تمثل للصين شريكًا سياسيًا وطاقة مهمة، فإن الخليج يمثل شريانًا اقتصاديًا حيويًا.
الأرقام هنا تتحدث بوضوح أكبر.
حجم التبادل التجاري بين الصين و6 دول الخليج وصل إلى نحو 2.95 تريليون دولار، مع توقعات بتجاوزه 4 تريليونات بحلول عام 2030.


الصين تستورد النفط والغاز الخليجي بكميات ضخمة، فيما تصدر للخليج الإلكترونيات والآلات والمعدات والتكنولوجيا والمنتجات الصناعية.
وهنا تظهر البراغماتية الصينية بأوضح صورها.
فبكين لا تدخل الخليج باعتبارها بديلًا سياسيًا عن أمريكا، بل كشريك اقتصادي يريد الاستفادة من الجميع دون الدخول في معارك أيديولوجية.
الصين تعرف أن الخليج ما زال مرتبطًا أمنيًا وعسكريًا بالولايات المتحدة، وتدرك أن أي محاولة لمزاحمة واشنطن عسكريًا في المنطقة قد تخلق صدامًا لا تحتاجه.
ولهذا نرى أن النفوذ الصيني في الخليج اقتصادي بالأساس، بينما يظل النفوذ الأمني والعسكري الأمريكي هو الأقوى حتى الآن.

هل يمكن للصين أن تعصف بالولايات المتحدة فعلًا؟

الإجابة المختصرة: لا، على الأقل ليس بالشكل الذي يتخيله البعض.
نعم، الصين أصبحت قوة اقتصادية هائلة، وربما تتحول مستقبلًا إلى أكبر اقتصاد عالمي من حيث الحجم الكلي، لكنها ما زالت تواجه تحديات ضخمة: تباطؤ النمو الاقتصادي٬ أزمة العقارات والديون٬ الشيخوخة السكانية٬ الاعتماد على الأسواق الخارجية٬ الفجوة التكنولوجية في بعض القطاعات الحساسة٬ التفوق العسكري الأمريكي العالمي٬ هيمنة الدولار على النظام المالي.
الولايات المتحدة أيضًا ليست دولة منهارة كما يصورها البعض.
هي ما تزال تمتلك: أقوى جيش في العالم٬ أكبر شبكة تحالفات دولية٬ الهيمنة على النظام المالي العالمي٬ شركات التكنولوجيا الكبرى٬ الدولار كعملة احتياط عالمية٬ نفوذًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا.
ولهذا فإن ما يحدث ليس “استبدالًا” سريعًا لأمريكا بالصين، بل إعادة تشكيل تدريجية لموازين القوى داخل نظام عالمي معقد.
الصين لا تريد إسقاط النظام العالمي.. بل تريد حصة أكبر فيه.
الصين لا تسعى إلى تدمير النظام الاقتصادي العالمي، لأنها أكبر المستفيدين منه أصلًا هي تريد: نفوذًا أكبر ٬ دورًا سياسيًا أوسع٬ حماية مصالحها التجارية٬ تقليل الهيمنة الأمريكية٬ تعزيز استخدام عملتها٬ توسيع حضورها في آسيا وأفريقيا والخليج.
لا تريد انهيار الاقتصاد العالمي، ولا تفجير مواجهة شاملة مع واشنطن، لأن ذلك قد يدمر عقودًا من النمو الصيني.
ولهذا يبدو خطاب “الصين ستسحق أمريكا قريبًا” أقرب إلى الأمنيات منه إلى القراءة الواقعية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى